
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك
هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
5فبعض المكاشفات تكون واقعيّة ومصادفة لِلواقع؛ مثلاً، أنت جالس هنا، ويتّضح ويظهر لك أنّ فلانًا مريض، أو أنّه يعاني من الانزعاج الفلانيّ والمسائل الفلانيّة؛ وعندما تذهب إلى بيته، تراه مريضًا حقًّا وقد استقبل القبلة. من المؤكّد أنّ هذه المكاشفة صحيحة.
ولكنّ بعض المكاشفات تكون أدقّ؛ فهذه المكاشفات الدقيقة، تكون أحيانًا ذات صورة، وحتّى إنّها قد تتجاوز الصورة أحيانًا وتصبح مكاشفات بلا صورة. وهنا، هو الموضع الذي لا يُمكن لِلإنسان فيه أن يُرتّب الأثر على المسائل التي تظهر له من تلقاء نفسه وبشكل عشوائيّ.
إنّ ما يوجد هنا هو أنّ العالَم عالَم واحد؛ فإذا استقرّ سالكان أو ثلاثة في رتبة واحدة ومرتبة واحدة من هذا العالم، فمن المستحيل أن تتغيّر مكاشفاتهم، بل كلّهم سيُشاهدون شيئًا واحدًا؛ ولكن، إذا كانت مرتبتهم متفاوتةً بمقدار شعرة، فسيُشاهد هذا التفاوت. ومن هنا، إذا شاهد الإنسان مسألةً في مرتبة ما، فلا ينبغي له أن يقول: «إنّ الأمر هكذا، ولا يوجد ما هو أعلى من ذلك!».
الاختلاف في إدراك الواقع بسبب الاستناد إلى مكاشفات غير تامّة
إنّ الاختلاف الذي يظهر بين المسائل التي يطرحها العرفاء يكمن هنا، حيث يُمكن أن يُشاهد إنسان مسألةً ويقول: «إنّ ظهور الأسماء والصفات الإلهيّة يكون على هذا النحو». هذا الظهور بهذا النحو، يحصل له في هذه المرحلة؛ ولكنّ هذا الظهور نفسه قد يكون بنحو آخر في المرحلة الأشدّ والتجرّد الأكبر. نعم، إنّ ما رآه في هذه المرحلة صحيح، ولكنّ نفي المرحلة الأُخرى باطل.
نحن نُشاهد هذه المسائل في عبارات العظماء، وحتّى في كلمات المرحوم صدر المتألّهين أيضًا. لقد كان المرحوم صدر المتألّهين رجلاً عظيمًا، وقد وصل إلى مراتب في مقام العقل والشهود، وهو حقًّا من مفاخر الشيعة وعالم الإسلام، وكان حقًّا إنسانًا مهذّبًا وذا مقامات، ورجلاً خاليًا من الهوى. ولكنّ الكلام في أنّنا لا نستطيع أن نُطلق عليه اسم عارف؛ ولهذا، عندما يُدخل مشاهداته وكشوفاته في سلك الاستدلال، ويُؤسّس برهانَه على ذلك الأساس، فإنّنا نصل هنا للأسف إلى نتيجة، وهي: هل تلك المكاشفة ـ التي شاهدها، ورتّب تصوّره الذهنيّ على أساسها لِيستدلّ بهذا الشكل ـ كانت على النحو الأتمّ أم على النحو التامّ؟ فلدينا مكاشفة أتمّ، ولدينا تامّة، ولدينا ناقصة، ولدينا أنقص، وكلُّ هذه مراتبٌ للمكاشفة والشهود. من المهمّ جدًّا، وهناك فرق كبير بين أن يكون لِلإنسان شهود، ويُرتّب تفكيره على أساس هذا الشهود، بنحو يُمكّنه من الإتيان بمقدّمات وبراهين مُثبتة من حيث الاستدلال؛ أو أن يكون شهوده قد وقع في المرحلة الوسطى، ويُريد الإتيان ببرهان على هذا الأساس. ولهذا، ترون أنّ المسألة تختلف في كثير من الأبحاث؛ نظير بحث المعاد الجسمانيّ، وبحث عينيّة الصفات مع الذات، وبحث بقاء العين الثابتة، وعدم بقائها. نعم، كلّ مكاشفاته صحيحة وفي محلّها، ولا يُمكننا ردّها؛ ولكنّ الكلام في هذا: هل رأى نهاية المسار، أم أنّه كان لا يزال في البداية؟ إنّ من يصل إلى المرتبة الرابعة من سُلَّمٍ، يُمكنه القول: «أنا الآن في أعلى السلّم!»، وكلامه صحيح أيضًا؛ ولكن، تارةً يقول: «أنا في نهاية السلّم!»، وتارةً يقول: «أنا في وسط السلّم!».
