
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك
هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
2بسم اللَه الرحمٰن الرحيم
الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ
والصلاةُ على خيرة اللَه المُنتَجبين محمّدٍ وَآله الطاهرينَ
واللعنةُ على أعدائهم أجمعينَ
الحكمة بوصفها علةً غائيّةً لِخلقة الإنسان
المقدّمة عبارة عن خلاصة للمسائل التي يسعى المؤلّف إلى طرحها، ويُبيّن فيها هدفه من التأليف. ولهذا، من الأجدر بالمرء أن يخوض غمار هذه الأبحاث متسلّحًا بالمعرفة والوعي اللازمين. وبشكل عامّ، وبما أنّ هناك مسائل تدور حول الحكمة، حيث إنّ المعارضين كثيرًا ما جعلوا هذه المسائل نفسها التي ذكرها المرحوم الملاّ صدرا في المقدّمة ذريعةً لِأهدافهم ونواياهم ـ على الرغم من أنّ التناقض والتضادّ في كلامهم يبدو واضحًا بخصوص هذه المسائل التي يطرحها، وكذلك على امتداد البحث ـ فقد رأيت من المناسب أن نُشير على سبيل الاختصار إلى حال المقدّمة، ثمّ نتطرّق إلى حقيقة علم الفلسفة وواقعيّته وما يتفرّع عليه من نتائج.
يتحدّث المرحوم صدر المتألّهين في هذه المقدّمة إجمالاً عن حقيقة الفلسفة (والحكمة) بوصفها علّةً غائيّةً لِإيجاد النفس وإيجاد النوع البشريّ؛ أي إنّ الإنسان يصل بواسطة استكمال النفس إلى مرتبة إعطاء الحكمة، وهو ما عبّر عنه الله تعالى في الآية القرآنيّة بـ «الخير الكثير»: ﴿وَمَن يُؤتَ ٱلحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا﴾.۱
الحكمة تعني الاطّلاع على حقيقة الوجود
لقد ذكروا تعريفات مختلفة للحكمة والفلسفة، ولكنّ التعريف الذي نذكره نحن، وهو تعريف جامع أيضًا، هو: «الحكمة عبارة عن الاطّلاع على حقيقة الوجود»؛ أي أن تتّضح حقيقة الوجود وتنجلي لِلإنسان. ولِتجلّي حقيقة الوجود مرحلتان:
المرحلة الأُولى: انكشاف هذه المسائل لدى الذهن بواسطة الفكر وترتيب المقدّمات من البديهيّات إلى النظريّات.
المرحلة الثانية: الانكشاف الباطنيّ؛ أي أن يُشاهد الإنسان بالوجدان ما يُدركه العقلُ والفكر.
نقد العرفاء لِلفلاسفة في كيفيّة إدراك الحقيقة
في هذا المجال، سوف ندخل في خلاف شديد وعميق بين الفلاسفة والعرفاء.
يقول العرفاء: إنّ ما يُدركه العقل يقع في مرتبة متأخّرة عن الشهود؛ لأنّ النتيجة العقليّة تحصل بالمقدّمات والارتكازات الذهنيّة، ورُبّما بالاختلاط مع هوى النفس ومسائل أخرى خالية من اليقين بما هو يقين؛ ولهذا، من وجهة النظر هذه، لا يُمكن أن تحلّ [الفلسفة] محلّ العرفان، وتفي بما يهدف إليه العرفان ويصل إليه بالمشاهدة والشهود.
- سورة البقرة، الآية ٢٦٩.
