
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك
هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
16الأستاذ: نعم، إنّه يُبيّن الظهورات المختلفة.
التلميذ: أي إنّ كلامه هو عين كلام السيّد الحدّاد؟
الأستاذ: نعم، هو نفسه؛ وكلام الشبستريّ صحيح وصائب.
التلميذ: إذا لم يكن الشبستريّ قد وصل إلى الكمال، فكيف بيّن هذه المسائل؟
الأستاذ: أوّلاً، لا يُمكننا القول إنّه لم يصل؛ ولكن كما ذُكر، ليست القضيّة بحيث لا يستطيع الإنسان الوصول ـ في مرحلة التعقّل ـ إلى مباني العرفاء ومباني الأولياء. وبالطبع، يُمكن القول إنّ تلك الإفاضات الإلهيّة على النفس ـ وإن كانت على شكل معنى، وليست على شكل ظاهر ومكاشفة ـ لها دور كبير في توجّه الذهن نحو مسار خاصّ، من دون أن يكون الإنسان نفسه منتبهًا وشاعرًا بهذه المسائل.
ولهذا، ترون أنّ كثيرًا من المسائل التي طرحها ابن سينا في (الإشارات) وفي كتب أخرى هي مسائل واقعيّة؛ في حين أنّ ابن سينا لم يسلك أيّ طريق في الأساس، ولكنّ حدّة ذهنه وتلك الإلهامات العقلانيّة التي كانت تُفاض عليه كانت بكيفيّة جعلته يُدرك جميع هذه المسائل كمكاشفات الأولياء؛ فنجده مثلاً يقول عن العارف: «يُبجّل الصغير من تواضعه كما يُبجّل الكبير».۱ إنّه يرى أنّ العارف لا يرى أيّ تفاوت بين الصغير والكبير. ما المعنى الذي فهمه ابن سينا هنا؟ إنّه يرى هنا أنّ ظهورَ الحقِّ في الكبير هو نفسه ظهوره في الصغير، لكن بنحوٍ آخر؛ غاية الأمر أنّه لا يلتفت إلى كيفية الظهور، بل يُوجّه نظره إلى أصل الظهور ومصدره؛ ولهذا، فإنّ نظرته قائمة على الوحدة. والعارف كذلك أيضًا، وواقعيّة الأمر هي هذه أيضًا.
لزوم التفكيك بين الفلسفة وآراء الفلاسفة
التلميذ: يقول المرحوم العلاّمة الطهرانيّ في كتاب (التوحيد العلميّ والعينيّ) في مقام تعيير الفلاسفة: «إنّ الكلام الذي يقوله الفلاسفة، كلّه في مقام الوهم!».٢
الأستاذ: نعم، هو يُريد أيضًا أن يقول هذه المسألة نفسها، ولكنّنا الآن في مقام إثبات أصل الفلسفة. البحث الذي يأتي لاحقًا هو: هل وصل الفلاسفة إلى هذه الحقيقة أم لم يصلوا؟ إنّ ما أنا في صدد بيانه الآن هو: تارةً ننظر إلى الفلسفة، وتارةً ننظر إلى الفيلسوف؛ عندما نوجّه نظرنا إلى الفلسفة، من المستحيل أن يكون هناك خطأ فيها؛ ولكن، عندما ننظر إلى الفيلسوف وذلك الشخص الذي يستخدم هذه الفلسفة، فمن الممكن أن يكون هناك خطأ فيه.
- الإشارات والتنبيهات، ص ۱٤۷.
- التوحيد العلميّ والعينيّ (فارسيّ)، ص ٣٣٣.
