انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان

معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك

0
الأسفار
الأسفار
الجلسات

هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.

تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان

14
  • اتّحاد الفلسفة والعرفان بسبب وحدة حقيقة الوجود

  • وعليه، فإنّنا نرى أنّ فصل الفلسفة عن العرفان باطل من أساسه! فلا يقول العرفان: إنّني فصلت نفسي عن الفلسفة وعن المقدّمات والبراهين! بل يقول العرفان: هناك حقيقة واحدة، ويوجد أثر واحد في كلّ عالم الوجود؛ وتلك الحقيقة الواحدة عبارة عن الوجود وحقيقة واجب الوجود. تلك الحقيقة لِواجب الوجود، تتّخذ صورًا [ومظاهر] مختلفةً؛ فتارةً تظهر تلك المظهريّة لِلشفاء على شكل سورة الحَمد [الفاتحة]، وتارةً يتجلّى ذلك الظهور لِحقيقة واجب الوجود في مظهريّة نفس إرادة الوليّ، وتارةً تظهر تلك الحقيقة لِواجب الوجود ـ من حيث مظهريّة ظهور الاسم "الشافي" ـ على شكل أقراص الباراسيتامول وكبسولات المضادّات الحيويّة؛ فكلّ ذلك يكون هنا شيئًا واحدًا.

  • إذن، الحقّ مع المرحوم السيّد الحدّاد حيث كان يقول:لا توجد أساسًا أكثر من حقيقة واحدة، ولا يوجد أيّ انفكاك في تلك الحقيقة، ولا يوجد أيّ فرق بتاتًا بين الظاهر والباطن.۱

  • ويقول رضوان الله عليه: أنا أتعجّب من أُولئك الذين يقولون: «إذا دعا إنسان، وارتفع الماء الموجود في البئر، وتوضّأ، فهذه معجزة»؛ ولكنّهم لا يعدّون فتح صنبور الماء هذا، ونزول الماء منه معجزةً! أنا أتعجّب حقًّا من تفكير هؤلاء!

  • هذا الرجل هو الذي يقول الصدق ويرى الحقّ! يقول: لا توجد أكثر من واقعيّة واحدة، ولكنّ طريق الوصول إلى هذه الواقعيّة يختلف. وكما يقول المرحوم الملاّ صدرا: لقد اختار كلّ واحد طريقًا؛ فجاء أحدهم من طريق الاستدلال وسخِر من الفقه والعرفان، وجاء آخر من طريق العرفان وسخِر من الفلسفة والدين، وجاء آخر من طريق الدين وسخِر من كليهما؛ ولكنّ ذلك العارف الحقيقيّ الذي وصل إلى مقام الحقّ، ليس فقط لا يسخر من أيّ منها، بل يرى الجميع ظهورات مختلفة لِحقيقة واحدة.

  • المحور الأساس لِنقد مدرسة التفكيك

  • ولهذا، فإنّ المسألة التي يجب أن تكون محورًا في نقد مذهب التفكيك هي أنّ إنسانًا يرى الحقيقة عن طريق الكشف، وآخر يرى تلك الواقعيّة عن طريق آخر.

  • أليس الفُقهاء يختلفون في مسائلهم الفقهيّة؟! هذا ممّا لا أحتاج إلى بيانه، فالجميع يعلم ذلك! فهل هذا دليل على أنّ الدين مختلف؟! الدين واحد، غير أنّ هناك اختلاف في مقام الإثبات. وحينئذ، إذا وصل المرء إلى حقيقة الدين، ونهل من مشربه، فسيفهم أنّه واحد. وبالطبع، ذكرت سابقًا كيف تكون وحدة الدين وما هي خصائصها؛ ولكن في النهاية، ستنكشف للإنسان حينئذ حقيقة الدين، ويصبح هو ذاته نفس النبيّ، والنبيّ لا يُخطئ، حتّى يُعطي اليوم فتوى ويتراجع غدًا عن فتواه ويقول: «أخطأت!». نعم، يُمكن أن يقول اليوم كلامًا، ويقول غدًا كلامًا آخر من باب الناسخ والمنسوخ؛ ولكنّ النبيّ ليس بحيث يقول اليوم: «هذا هو كلامي!»، ويقول غدًا: «كلاّ، الحكم الذي أصدرته البارحة كان باطلاً؛ تعالوا، واقضوه!».

    1. الروح المجرّد، ص ٥۸٦:
      «حصل يومًا في الصحن المطهّر -بعد إقامة صلاة فريضة الظهر جماعة، وكان السيّد [الحدّاد] يجلس في‌ الصفّ الأخير المتّصل بالضلع الشماليّ للرواق المطهّر والحقير إلى جانبهـ أن حمل السيّد في يده تربة للصلاة من الأرض وقال لأحد الذين رافقونا في السفر - وكان قد سأله عن التوحيد - ما هذا؟
      قال: هذه تربة للصلاة.
      فقال السيّد: لقد وضعتَ اسم التربة عليها، وتخيّلتها وجودًا مستقلاً ذا أثر، فأزل هذا الاسم جانبًا فلن يبق هناك شي‌ء غير أصل الوجود.
      ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾‌.
      أنتم تقولون: تربة صلاة، فتعطونها -باسم التربة وتعيّنها- استقلالاً وانفصالاً وتطلبون الأثر منها، لأنّ الطلب إنّما يعتمد على أصل وأساس الاستقلال؛ بينما الاستقلال والعزّة مختصّان بذات الله سبحانه، أي إنّ هذه الأسماء والرسوم عاطلة لا أثر لها، وأنّ الفعل بيده جلّ وعزّ.
      ومن هنا فإنّ الأمر جليّ في أنّ علّة شرك الناس هذه الازدواجيّة في النظر التي ألبست هذه الاعتبارات الواهية بلا أساس لباس العزّة، وخلطت هذه الحدود والقيود والماهيّات مع أصل الوجود، وسرقت العزّة من الوجود ونسبتها إلى هذه الأشياء.
      فإن أنت أزلت اسم التربة عن هذا الشيء فلن يكون إذ ذاك وجود لتربة ولا لتعيّن ولا لفقر وفاقة، فهي تابعة بأجمعها لهذه الحدود العدميّة، فإن ازيلت فإنّ وجودًا بحتًا بسيطًا ووسيعًا سيبقى وهو ما يُدعى بالوجود المنبسط. وسيصبح ذلك الوجود أيضًا - بعد رفع حدوده الماهويّة الإمكانيّة - فانيًا في وجود الحيّ القيّوم الأزليّ والأبديّ. هذه هي حقيقة التوحيد التي تدعونها بوحدة الوجود.
      إنّك تعقّد الأمر وتجعله معضلة، على الرغم من وضوح الأمر وبساطته، أي أنّك كلّما نظرت إلى شيء، فعليك أن ترى الله أوّلاً لا ذلك الشيء. أمّا ذلك الذي تدعوه وتسمّيه، فليس إلّا ما أعمى عينيك فلم يدعك ترى الله. فإن أسقطت اسمه عنه فسيبقى الله وحده لا سواه!»