
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
معيار تشخيص المكاشفات الرحمانيّة ونقد مدرسة التفكيك
هل تختلف الفلسفة حقًّا عن العرفان؟ وكيف يُمكننا التمييز بين المكاشفات الرحمانيّة الصادقة وتلك المختلطة بالخواطرالنفسانيّة؟ ولماذا اختلف الفلاسفة والعرفاء إذا كانت الحقيقة واحدة؟ وما هو المآل النهائيّ لسير الأنبياء والكمّل في معرفة الله؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ عن هذه الأسئلة العميقة، مبيّنةً حقيقة الحكمة بوصفها الغاية من خلقة الإنسان، وموضّحةً عدم التنافي بين الشهود العرفانيّ التامّ والبرهان العقليّ الصحيح.
تعريف الحكمة ووحدة الحقيقة بين الفلسفة والعرفان
13ليس الأمر بحيث إنّ «العرفان والفلسفة عبارة عن مبنيين منفصلين، بحيث إنّ الفلاسفة يتحرّكون على أساس رِجل خشبيّة، والعرفاء يتحرّكون على أساس الشهود». والقضيّة ليست بهذا النحو الذي يضربون به على رؤوس الفلاسفة؛ لأنّ لهؤلاء أيضًا ـ في نهاية المطاف ـ بعض الأحوال، وهم أيضًا يَرون عن طريق هذه الأحوال أشياء، وليس الأمر بحيث تقتصر المسألة على مجرّد تصوّرات ذهنيّة بحتة فقط. ذلك الفيلسوف الذي يُفكّر ويُعمل عقله ويُدقّق بهذا النحو، أيّ شخص وأيّ يد تهديه في أفق ذهنه ذلك، وتدفعه لِلأمام هكذا، حتّى توصله إلى تلك المسألة الدقيقة؟ فتدفعه لِلأمام، وتدفعه لِلأمام، وتدفعه لِلأمام حتّى توصله إلى مسألة أعلى!
لا تظنّوا أنّ هذه المسائل التي أذكرها لكم، هي قضايا ومسائل أخلط فيها الآن بين المباحث الشهوديّة والمباحث الفلسفيّة؛ كلاّ، فجميع هذه المسائل تصبح في محلّها استدلاليّةً برهانيّةً مرتكزة على "سدّ الإسكندر"، وليس الأمر عبثًا هكذا. إذا نظرنا ودقّقنا في بحث العلم، وبحث العلّة والمعلول، وبحث وحدة الفعل والصفات والأسماء، ومباحث وحدة الوجود، ومباحث بسيط الحقيقة، فسنرى أنّه لا يوجد أيّ فرق بتاتًا بين الفلسفة و(فصوص الحِكم)، حيث سنطرح هناك أبحاث (الفصوص) ونُبيّن الأبحاث الفلسفيّة أيضًا. وبالطبع، لا أُريد أن أقول: إنّ هذا وذلك شيء واحد، بل إذا أردنا أن نبني الأمر على الاستدلال، فرُبّما يكون لنا اختلافات معه في بعض الموارد أيضًا.
كلامنا هو: هل يُمكننا أن نعدّ التفكير نفسه ـ بوصفه فكرًا ـ أمرًا منفصلاً عن الوجود، ونقول: العرفان يتصدّى لِمقام إثبات الوجود، أمّا التفكير فيتصدّى لِمقام إثبات مجموعة من المسائل البسيطة والمسائل اليوميّة والأحاديث مع عامّة الناس والأوليّات والاستقرائيّات؟! كلاّ، كلّ هذه وسائل حقيقيّة، لا أنّها غير حقيقيّة.
مثلاً، أنت الذي تتناول الدواء، وهذا الدواء يشفي مرضك، فهل يُمكنك إنكار هذه القضيّة؟ لا يُمكنك الإنكار. فعندما ينظر عارف، ويقول: «إنّ تأثيرَ هذا الدواءِ صادرٌ عن المبدأِ الأعلى في سيرٍ نزوليّ، وما هذا الدواءُ في اللحظةِ الراهنةِ إلاّ واسطةٌ لتنزّلِ ذلك الشفاء!»، كيف نقبل بهذه المسألة، ولكنّنا لا نقبل الآن أنّ هذا الدواء نفسه يُعطي الشفاء؟ كلاّ، نحن نقبل كليهما؛ فنقبل أنّ نزول الرحمة ونزول اسم الشافي قد حلّ في مجرى عالم التعيّنات، ومرّ من عالم القضاء والقدر، ووصل إلى الملكوت والمُلك والبرزخ حتّى تمكّن من الظهور؛ ونقبل أيضًا أنّ هذا الدواء نفسه ـ بجسميّته ومادّته ـ متعلَّق لتجلّي الاسم "الشافي" وظهوره. فلِماذا يجب أن نفصل هذين عن بعضهما؟!
