
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
9«وقُلتَ أنّي كنتُ أُقادُ كما يُقادُ الجَمَلُ المَخشوشُ حتّى أُبايِعَ، ولَعَمرُ اللهِ لقد أرَدتَ أن تَذُمَّ فمَدَحتَ، وأن تَفضَحَ فافتَضَحتَ؛ وما علَی المُسلمِ مِن غَضاضَةٍ في أن يكون مظلومًا، ما لم يكن شاكّاً في دينِه ولا مُرتابًا بِيَقينِه».۱
أي: يا مُعاوية! لقد شبّهتني بالجمل الذي ربط الحبل في أنفه، فجرّوني إلى البيعة، أقسم بالله! إنّك أردتَ إهانتي، ولكنّك من خلال هذا التشبيه مدحتني وأثنيتَ عليّ، وأردتَ أن تفضحني لكنّك فضحتَ نفسك؛ إذ ليس عيبًا ولا نقصًا للمسلم إذا تعرض للظلم وتمّ التعدّي عليه (بل النقص والخزي والعار للظالم والمتعدّي، وليس على من ظُلم)، وطالما أنّه لا يوجد شكٌّ في دينه ولا يزال ثابتًا على معتقداته، ولم يتحوّل عن يقينه بسبب الحدس والشبهة.
ويُمكن لنا أن ندرك من خلال هذه الرسالة عمق الفاجعة التي حلّت في تاريخ الإسلام بعد ارتحال مؤسّسه؛ فاجعةٌ كانت ولا تزال تحافظ على انحراف مسير الإسلام حتّى بعد ألفٍ وأربعمئة عامٍ، وجعلت مئات ملايين البشر من المسلمين فريسةً لآفاتها.
ويُمكن الادعاء بوضوح في هذا الصدد أنّ جميع جرائم الحكام وأهل الجور في تاريخ الإسلام إنّما ارتكبت بسبب هذا الآفة المُدمّرة، يعني: ضرب الدين واستغفال النّاس عبر استغلال الأدوات والوسائل الدينيّة.
استغلال الشرع والدين لتحقيق الأهداف الدنيويّة هي الأداة الأكثر تأثيرًا لعلماء السوء
وقد لوّث علماء العامّة وفقهاؤهم أيديهم بدماء آلاف المسلمين الأبرياء بجرم التشيّع، وذلك من خلال إساءة استغلال نفس هذه الأدوات، وكتبوا صفحةٍ من الخزيّ في تاريخ الإسلام، في الوقت الذي نجد أنّ صاحب زمام خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخليفته علي بن أبي طالب عليه السلام قال عند لقائه مع علماء اليهود بهذه العبارة: «يا أخا اليهود» (أي: أيّها الأخ اليهودي) وذلك حينما كان يُناقشهم ويناظرهم، نرى أنّهم أصدروا فتوى بجواز وإباحة قتل شيعة أمير المؤمنين عليه السلام والتجاوز عليهم بحجّة الاختلاف والافتراق في الدين، وكم هي الجنايات والفجائع التي ارتكبت بسببها! وكم هي دماءُ الأبرياء والأطفال المعصومين التي أريقت على الأرض! ومازال هذا الطريق المنحرف المخيف مستمرًا حتّى الآن.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ٣۸.
