
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
39٬383
السعادة الأبديّة
99هناك مواطن جديرة بالتأمل في هذه الفقرة:
الموطن الأوّل: يقول الإمام عليه السلام: إنّ أحبّ المناهج هو تقوى الله والعمل بالتكليف الذي تمّ تشريعه من جانب الله، ويجب على الإنسان أن لا يزيد أو يُنقص من التكليف من تلقاء نفسه.
يتصوّر البعض أنّ رضا الله هو في أداء العبادات بصورةٍ شاقّةٍ وصعبةٍ، وأنّه كلّما كانت العبادة أصعب فستكون قيمتها عند الله أعلى؛ أو يرون بأنّ القيام بالمستحبّات فرضٌ وواجبٌ عليهم.۱
- هناك روايةٌ مأثورةٌ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول فيها: «أفضَلُ الأعمالِ أحمَزُها». يعني: «أفضل العبادات هي المصحوبة بالصعوبة والمشقّة».
ويجب الانتباه إلى هذه النقطة هنا وفي سائر المواطن الأخرى، وهي أنّ أداء العبادات وطاعة أمر الله يتشكّل في ظرف التكليف وفي فضائه، وطالما لم يأتِ تكليفٌ على الموضوع بعد، فإنَّ أداء ذلك العمل أو تركه من تلقاء النفس يُعتبر تجاوزًا لمباني العبوديّة وتجرّأً على المولى؛ وكما يتبيّن من الأمثلة المذكورة فإنّ حكم الله أمرٌ وإظهارُ ذوق الأفراد أمرٌ آخر.
أمّا العبادات التي تتنوّع السبل والطرق في أدائها والتي يكون كلّ نوعٍ من الأداء فيها مقبولًا من الشارع، فيقولون في هذه الحالة: العمل والعبادة الأكثر قبولًا عند الله هي ما كانت جنبة العبوديّة والذلّة والمسكنة فيها أكثر وأفضل من سائر الأشكال.
مثلًا: لو فرضنا أنَّه استقرّ وجوب فريضة الحجّ على الإنسان بسبب تحصيله لزاد السفر والمركب، أو أنّه هيّأ وسائل السفر من أجل أداء الحجّ المستحب ففي هذه الحالة وفي الظروف الحالية سيكون السفر إمّا عبر الطائرة أو عبر السفينة أو على ظهر دابة أو سيرًا على الأقدام، ومن الطبيعي أن تميل نفس الإنسان ابتداءً إلى الأولى من هذه الوسائل ثمّ ستميل إلى باقي الوسائل تباعًا ولن يُبدي رغبةً بالسير على الأقدام مطلقًا. وهنا يتحقّق مصداقٌ لهذه الرواية، فإذا توفّرت الفرصة الكافية ولم تبرز أيّ موانع خارجيّة فالسفر بواسطة السيارة أو الدابة سوف يكون مرجّحًا على السفر بالطائرة قطعًا، فما بالك بالسير على الأقدام؛ لأنّه عند السفر بالسيارة وأمثالها ستشعر نفس الإنسان بالتعب والمشقّة والعبوديّة أكثر من السفر بالطائرة. وقد طوى الإمام المجتبى عليه السّلام المسافة بين المدينة ومكّة سيرًا على الأقدام مرارًا وتكرارًا، في حين أنَّ نياقه كانت تتحرّك أمامه.
كما شوهد الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام والإمام سجاد عليه السّلام يطويان السفر سيرًا على الأقدام.
وقد طوى الملّا صدرا الشيرازي ـ الحكيم المشهور ومفخرةُ عالم الإسلام ـ الطريق مرارًا من منزله إلى مكّة سيرًا على الأقدام، وقد انتقل إلى رحمته تعالى في مدينة البصرة خلال سفره الأخير.
ولنطرح مثالًا آخر هنا:
الواجب على الإنسان الذي يجب عليه قضاء الصيام، أن يصوم اليوم في أيّ ظرفٍ كان، سواءً كان ذلك اليوم من أيّام الشتاء القصيرة أم من أيّام الصيف الطويلة المترافقة مع الحرّ والعطش، وأيّهما صام فلا إشكال ويكون قد أبرئ ذمته وسقط التكليف عنه؛ ولكن بالطبع ثواب الصيام في الصيف وتحمّل العطش والتعب أكثر أجرًا وثوابًا من الصيام في الشتاء قطعًا. وعلى هذا القياس... .
وبناءً على ذلك، فإنَّ مضمون الرواية لا يعني أنّه على الإنسان أن ينحت تكليفًا من رأسه وبدون إذن الشارع وإجازته، وأن ينشغل من تلقاء نفسه بأداء عملٍ ما، حيث إنَّ هذا العمل هو بدعةٌ قطعًا وخلاف المراد ومبغوضٌ من الشارع؛ بل مفهومه هو أنَّه من بين المصاديق المتعدّدة للقيام بالتكليف، ذلك المصداق الذي يُوقع النفس في مشقةٍ أكبر هو الأحبّ عند الله؛ لأنَّ آثار ذلك العمل ـ وهو التذلّل والخشوع ـ تُصبح أكثر وضوحًا.
- هناك روايةٌ مأثورةٌ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول فيها: «أفضَلُ الأعمالِ أحمَزُها». يعني: «أفضل العبادات هي المصحوبة بالصعوبة والمشقّة».
/
156
