
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
97طريقة أمير المؤمنين وأسلوبه في إرشاد الإمام الحسن عليهما السلام وتربيته
وقد بدأتُ معك بتعليمك كتاب الله، ولم أقصّر في تعليمك تأويل الآيات وشرحها وبسطها، وعرّفتك بالعقائد والمباني والأصول لشريعة الإسلام وأحكامه، وفصّلتُ لك الحلال والحرام، ولم أتجاوز في ذلك كلّ الكتاب الإلهي ومباني الشرع ولم أرسلك إلى المدارس والنِحل المختلفة، ثمّ خفتُ عليك أن تلتبس عليك الأمور وأن تُبتلى بنفس توهّمات وانحرافات باقي الناس وبأهوائهم النفسيّة (وأن تُبتلى بالمهالك التي ابتلي فيها عوام الناس من خلال اتّباعهم السلائق النفسانيّة والأسلوب البعيد عن المنطق العقلاني)؛ ولذا رجّحتُ أن أُحذّرك من خلال التنبيه والتأديب ـ رغم أنّي أكره ذلك ـ من الخطر الذي يتهدّدك بسبب الغرق في المهالك، وأن أريك طريق السداد والرُشد، راجيًا أن يُوفّقك الله تعالى للرشد والصلاح وأن يهديك إلى مقصدك ومآلك، ولهذا السبب كتبتُ لك هذه الوصيّة».
«واعلَمْ ـ يا بُنَيَّ! ـ أنَّ أحَبَّ ما أنتَ آخِذٌ بِهِ إلَيَّ مِن وَصِيَّتي، تَقوَى اللهِ والِاقتِصارُ عَلَى ما فَرَضَهُ اللهُ عَلَيكَ، والأَخذُ بِما مَضَى عَلَيهِ الأَوَّلونَ مِن آبائِك والصّالِحونَ مِن أَهلِ بَيتِك؛ فَإنَّهُم لَم يَدَعوا أن نَظَروا لِأَنفُسِهِم كما أنتَ ناظِرٌ، وفَكَّروا كما أنتَ مُفَكِّرٌ، ثُمّ رَدَّهُم آخِرُ ذَلِك إلَى الأخذِ بِما عَرَفوا، والإمساك عَمَّا لَم یُكَلَّفوا، فَإن أَبَت نَفسُك أن تَقبَلَ ذَلِك دونَ أن تَعلَمَ كَما عَلِموا فَلْيكُنْ طَلَبُك ذَلِك بِتَفَهُّمٍ و تَعَلُّمٍ، لا بِتَوَرُّطِ۱ الشُّبُهاتِ وعُلُوِّ الخُصوماتِ.
وابدَأْ ـ قَبلَ نَظَرِك في ذَلِك ـ بِالِاستِعانَةِ بِإلَهكَ، والرَّغبَةِ إلَيهِ في تَوفيقِك، وتَركِ كُلِّ شائِبَةٍ أوْلَجَتكَ٢ في شُبهَةٍ، أوْ أسلَمَتكَ إلَى ضَلالَةٍ؛ فَإذا أيقَنتَ أن قَد صَفا قَلبُكَ فَخَشَعَ، وتَمَّ رَأْيُكَ فاجتَمَعَ، و كانَ هَمُّكَ في ذَلِكَ هَمًّا واحِدًا؛ فَانظُرْ فيمَا فَسَّرتُ لَكَ، وإن أنتَ لَم يجتَمِعْ لَكَ ما تُحِبُّ مِن نَفسِك، وفَراغِ نَظَرِكَ وفِكرِكَ؛ فَاعلَمْ أنَّكَ إنَّما تَخبِطُ العَشْواءَ٣، وتَتَوَرَّطُ الظَّلماءَ، ولَيسَ طالِبُ الدّينِ مَن خَبَطَ أوْ خَلَطَ، والإمساكُ عَن ذَلِكَ أمثَلُ»
- الورطة: هي الأمر المُشكل الذي يصعب التخلّص منه.
- أولجتك: أدخلتك.
- العشواء: الضعيفة البصر، أي تخبط خبط الناقة العشواء.
