
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
96«أَي بُنَيَّ! إنِّي ـ وإن لَم أَکُنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كانَ قَبلي ـ فَقَد نَظَرتُ في أَعمالِهِم، وفَكَّرتُ في أَخبارِهِم، وسِرتُ في آثارِهِم، حَتَّى عُدتُ كأَحَدِهِم، بَل كأَنّی بِما انتَهَى إلَيَّ مِن أُمورِهِم قَد عُمِّرتُ مَعَ أَوَّلِهِم إلَى آخِرِهِم، فَعَرَفتُ صَفْوَ ذَلِك مِن كَدرِهِ، ونَفعَهُ مِن ضَرَرِهِ، فَاستَخلَصتُ لَك مِن كُلِّ أمرٍ نَخیلَهُ۱ وتَوَخَّيتُ لَك جَميلَهُ، وصَرَفتُ عَنكَ مَجهولَهُ، ورَأَيتُ ـ حَيثُ عَناني مِن أمرِكَ ما یَعني الوالِدَ الشَّفيقَ، وأجمَعتُ عَلَيهِ مِن أدَبِكَ ـ أَن یَكونَ ذَلِك وأنتَ مُقبِلُ العُمُرِ ومُقتَبِلُ الدَّهرِ، ذو نِيَّةٍ سَليمَةٍ ونَفسٍ صافِيَةٍ، وأن أبتَدِئَك بِتَعليمِ كِتابِ اللهِ وتَأویلِهِ، وشَرائِعِ الإسلامِ وأحكَامِهِ، وحَلالِهِ وحَرامِهِ، [و] لا أُجاوِزُ لَكَ إلَى غَيرِهِ، ثُمّ أشفَقتُ أن يَلتَبِسَ عَلَيكَ ما اختَلَفَ النَّاسُ فيهِ مِن أهْوائِهِم وآرائِهِم مِثلَ الَّذي التَبَسَ عَلَيهِم، فَكانَ إحكامُ ذَلِك عَلَى ما کرِهتُ مِن تَنبيهِكَ لَهُ أحَبَّ إلَيَّ مِن إسلَامِك إلَى أمرٍ لا آمَنُ عَلَيك بهِ الهَلَكةَ، و رَجَوتُ أن يُوَفِّقَك اللهُ فيهِ لِرُشدِك، وأن يَهدِیَكَ لِقَصدِكَ، فَعَهِدتُ إلَيكَ وصيَّتي هَذِه».
يعني: «يا بُنيّ! رغم أنّي لم استطع أن أدرك حياة الناس من قبلي بسبب محدوديّة عمري، إلّا أنّني تأملتُ جيّدًا في أفعالهم وتصرّفاتهم، وفكّرتُ في أخبارهم، وسرتُ في آثارهم إلى درجة أنّك تظنّني كنتُ معهم على الدوام فصرتُ أعتبر واحدًا منهم، وأصبحت لي معيّةٌ وملازمةٌ معهم، وبسبب اطّلاعي وإشرافي على جميع أفعالهم وتصرّفاتهم فكأنّني عشت من أوّل خلق البشر إلى آخر، وحددتُ من تصرّفاتهم التصرّفات الحسنة، وعرفت المفيد والمضرّ منها للإنسان،
فاستخلصتُ لك من كلّ أسلوبٍ ومنهجٍ رأيته أحسنه وزلاله، واخترتُ لك أجمله، واجتنبتُ طرح المواطن المشكوكة والمشتبهة، ورأيتُ ـ مثل أبٍ مشفقٍ وقلقٌ على مستقبل ابنه وصلاحه من المصاعب والمشاكل التي يُمكن أن تواجه ابنه في المستقبل فتوقعه في التعب والضغط والتشويش، ولديه عزمٌ وإرادةٌ راسخةٌ على تربيته وتأديبه، وأريدُ أن يكون أنجز هذه الغاية وهذا الأمر المهمّ وأنت في عنفوان الشباب ومقتبل العمر، وحينما يكون زمانك في أفضل ظروف الحياة حيث تكون ذا نيّةٍ سليمة وخالصة ونفسٍ صافية.
- النخيل: المُختار المُصفّى.
