
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
94في حين أنّك الآن في حالٍ وجوٍّ آخر وفي فضاءٍ مختلفٍ؛ لأنّ قلب وضمير الشاب الحديث السنّ كالأرض البكر التي لم يمسسها أحد، تقبل كلّ شيءٍ يزرعونه فيها وينمو فيها كلّ ما يبذرونه فيها، ولذا بادرتُ بكتابة هذه الوصيّة وبالتأديب بالأدب الصالح قبل أن يقسو قلبك وقبل أن ينغمر فكرك وعقلك بالأمور الواهية والمشاغل السخيفة الفارغة من المعنى، لكي تهتمّ بعزمٍ راسخٍ وهمّةٍ عاليةٍ بما جرّبه أهل التجارب، فلا تعود بحاجةٍ إلى تجربته وامتحانه مجدّدًا؛ إذ من الخطأ تجربة الأمر المُجرّب،
فتكون قد حصلت على ما سعينا خلفه وحصّلنا وانكشف لك الكثير من الحقائق التي كانت خافيةً علينا (لأنّك تكون قد استفدت من تجارب الآخرين مضافًا إلى تجاربك الشخصيّة)».
لقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفقرات إلى ثلاثة نقاطٍ تستحقّ التأمّل.
ينبغي معالجة الحادثة قبل وقوعها
النقطة الأولى أنّه قال: ينبغي معالجة الواقعة قبل وقوعها، والوقاية مقدّمة على العلاج دائمًا.
إنّ النفس والروح مكوّنةٌ على أساس الفطرة ومباني التوحيد وهي مستعدّةٌ للفعليّة والكمال؛ وإذا ما تمتّ تربية الآدميّ وتأديبه في بداية الأمر بيد فردٍ صالحٍ قطع الطريق وحكيمٍ بصيرٍ ومُطلعٍ خبيرٍ، والتزم بإطاعة أوامره والانقياد لها مع حركةٍ سريعةٍ ونشاطٍ بليغ، فإنّه سيُخرج مراحل التجرّد والفعليّة الواحدة تلو الأخرى إلى منصّة الظهور؛ وإذا فوّت على نفسه هذه الفرصة، فإنَّه لن يحوز على ذلك الاستعداد والنشاط حتّى لو كان لديه في مسير الكمال اهتمامٌ بالوصول إلى المقصد.
أفضل زمانٍ لتلقّي المسائل الأخلاقيّة هو فترة عنفوان الشباب
أمّا النقطة الثانيّة فيُمكن أن تكون مترتّبةً على هذه المسألة:
يعتبر الإمام عليه السّلام في هذه الفقرات أنَّ أفضل فترةٍ لتلقّي المسائل الأخلاقيّة ومباني السير والسلوك إلى الله هي فترة عنفوان الشباب؛ لأنَّ قلب الشاب وذهنه على أساس الحقائق الفطرية والتعاليم التكوينيّة لم يتلوّثا بعد بالشهوات والنفسانيّات والأهواء الوضيعة؛ ولن يُعارض أو يقاوم تقبّل الحقّ، وسيقبل به بسرعةٍ؛ وكما قال الإمام عليه السّلام:
