
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
93ونستنتج من أوامر الإمام عليه السّلام المسألة التالية: كلّ كلامٍ ـ رغم أنَّه قد يكون مفيدًا في بعض المواطن ـ إلّا أنَّه لا ينبغي بيانه في كلّ مكانٍ وأمام كلّ شخصٍ، ولا بدّ من مُراعاة درجة المخاطبين ورتبتهم عند بيان المسائل؛ فكما أنّ الانصات إلى أيّ كلامٍ قد يُؤدّي بالإنسان إلى الخسارة، فكذلك لا بدّ من ملاحظة الوقت والظروف عند إلقاء أي فكرة، حتّى لا تُؤدّي إلى نتائج سلبية لدى المخاطب.
أهداف أمير المؤمنين عليه السّلام من بيان هذه الوصيّة
«أَي بُنَيَّ! إنّي لَمَّا رَأَيتُني قَد بَلَغتُ سِنًّا، ورَأَيتُني أزدَادُ وَهنًا۱، بادَرتُ بِوَصيَّتي إلَيكَ، وأوْرَدتُ خِصالًا مِنها قَبلَ أن يَعجَلَ بي أَجَلي دونَ أن أُفضِيَ٢ إلَيكَ بِما في نَفسي، و أن أَنْقُصَ في رَأْيي كَما نَقَصتُ في جِسمي، أو يَسبِقَني إلَيكَ بَعضُ غَلَباتِ الهَوَى، أو فِتَنِ الدُّنْيا، فَتَكونَ كَالصَّعبِ٣ النَّفورِ٤، وإنَّما قَلبُ الحَدَثِ٥ كَالأرضِ الخاليَةِ: ما أُلقِيَ فيها مِن شَيءٍ قَبِلَتهُ، فَبادَرتُكَ بِالأدَبِ قَبل أن يَقسُوَ قَلبُكَ، ويَشتَغِلَ لُبُّكَ، لِتَستَقبِلَ بِجِدِّ رَأْيكَ مِنَ الأمرِ ما قَد كَفاكَ أهلُ التَّجارِبِ بُغيَتَهُ وتَجرِبَتَهُ، فَتَكونَ قد كُفيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ، وعوفيتَ مِن عِلاجِ التَّجرِبَةِ، فَأتاكَ مِن ذَلِكَ ما قَد كُنّا نَأْتيهِ، واستَبانَ لَكَ ما رُبَّما أَظلَمَ عَلَينا مِنهُ».
يعني: «يا بُنيّ! إنّني بعد أن رأيتُ أنّ عمري قد وصل إلى نهايته، ورأيتُ أنّ الضعف والوهن بدأ يغلب على بدني، قرّرتُ أن أوصيك بوصيّتي، وقد أوردتُ فيها بعضًا من الخصال والتعاليم الأخلاقيّة والاجتماعيّة وذلك قبل أن يعجل بي أجلي من دون أن أوفّق بإبلاغك ما في نفسي، وكذلك قبل أن يحلّ الضعف والفتور في اهتمامي وعزمي على إبلاغك هذه الأمور كما حلّ النقص والضعف في جسمي، أو أن يغلب هوى النفس على قلبك وضميرك بسبب مرور الزمان والاهتمام بالدنيا، فلا تقبل منّي نصيحتي هذه، أو يسبقني إليك فتن الدنيا ومصاعبها فتصبح مثل الحصان الصعب النفور فيمنعكم ذلك من الأنس والألفة لإدراك الحقائق والشعور بالواقعيّات،
- الوهن: الضعف.
- أفضى فلانٌ إلى فلانٍ، أي: وصل إليه.
- الصعب: نقيض الذلول من الدواب.
- النفور: ضدّ الآنِس.
- الحدث: الشابّ، والذي في مقتبل العمر.
