
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
39٬383
السعادة الأبديّة
73«لهذا الأسلوب تأثيرٌ جيّدٌ في قطع التعلّقات، والتفات النفس إلى مبدأ الوجد، ويمنع من الالتفات إلى الكثرات».۱
- كان لوالدنا المرحوم، العلّامة الطهراني ـ رضوان الله علیه ـ رفيقٌ ذو ضميرٍ حيٍّ وقلبٍ صافي، وكان ذو مكاشفاتٍ معنويّةٍ وروحانيّةٍ، ويُدعى المرحوم الحاجّ هادي الأبهري الخان صنمي ـ رحمة الله علیه ـ وقد أدرك هذا الحقير محضره واستفاد منه إلى سنّ السابعة عشر، وقد قال يومًا من الأيّام:
«كنتُ كثير السفر خلال فترة شبابي بسبب مقتضيات العمل؛ وفي كثيرٍ من الأحيان كنتُ أنتقل سيرًا على الأقدام حتّى وكنتُ أطوي المسافات بين المُدن، وفي ظهر يومٍ من أيّام فصل الصيف كان الهواء حارًّا جدًا وغلب عليّ العطش، فجلستُ إلى جوار جبل يجري أسفله ماءٌ زلالٌ من عينٍ في أسفله، وتسمّرت عيناي في الصحراء والسكوت الغريب الحاكي عن عدم وجود حياتٍ في تلك النواحي، وفجأةً خطر ببالي ما يلي: هل يوجد احتمالٌ أنّه كان هناك أفرادٌ كانوا يعيشون في هذه المنطقة في يومٍ من الأيّام؟ وأنّهم كانوا ينعمون بنعمة الحياة ووجود مجتمع وبضجّة الحياة، أمّ أنّه من الأساس لم يسكن في هذه الأرض أحدٌ حتّى الآن، ولم يطأها أدميٌّ؟
وفي هذه الأثناء، رفع الله الستار عن عينيّ، فنظرتُ فرأيتُ أنّه في نفس هذا المكان الذي جلستُ فيه، كان هناك العديد من القبائل والأفراد والأجيال التي تعاقبت على طول التاريخ؛ جاؤوا وبنوا المنازل والمُدن والقرى والحدائق، ثمّ حلّت مجموعةٌ أخرى مكانها وعاشوا لمئات السنين ورحلوا أيضًا، وجرت الأمور على هذا المنوال بحيث لم أستطع أن أحفظ عددهم في خاطري وكان الأمر غير قابل للعدِّ والإحصاء».
وكان لهذا العبد سفرٌ إلى شيراز في زمن المرحوم الوالد رضوان الله علیه، وبعد عودتي ذهبتُ إلى محضر سماحته في مشهد وأخبرته عمّا جرى في السفر.
وفي تلك الأثناء، قال: «هل ذهبت لزيارة "تخت جمشيد"؟»
وكان الحقير قد ذهب في السابق، ولكنّني لم أذهب في هذه السفرة، فقلتُ: لا لم أذهب.
فقال: «من الجيّد أن يذهب الإنسان إلى هذه الأماكن ويأخذ العبرة، وأن يستفيد من الأحداث والمسائل التي مرّت على الماضين، وأن يعتبر منها لمستقبله».
بالطبع إنّ هذا التوجيه يختلف تمامًا عما هو متداولٌ بين العوام وأولئك الذين ابتعدوا عن مسار التكامل والحياة اختلافًا جوهريّاً وماهويّاً. فقد تعرّض البعض إلى هذه الآثار من باب إحياء الآثار القوميّة وسنن القدامى وتاريخ الماضين، وكان الفخر بتلك الحقبة هو مصبّ الاهتمام، وهذا بنفسه خطأٌ فاحشٌ جدًا ونهجٌ مرفوض ومذمومٌ بشدّة.
فلا مكان لإحياء آثار الجاهليّة وللسُنن غير الالهيّة وللخرافات القوميّة في فضاء التوحيد والاهتمام بالتعاليم الالهيّة، فبدلًا من سوقه إلى المبدأ والتوجّه إلى التوحيد والنظر إلى المستقبل والمآل، تسوقه إلى الالتفات إلى مظاهر الكثرة وعلامات الجاهليّة وآثار الأنانيّة وظلم الظالمين، وإلى أصحاب المال والسُلطة الذين لا خبر لديهم عن الله والإنسانيّة، وإلى الحكومات القمعيّة المعاديّة للشعوب، وبدلًا من الالتفات إلى مباني التوحيد وأصوله التي تمّ تفسيرها بلسان الشريعة وبواسطة الأولياء الإلهيّين، تجعله يميل نحو الخرافات والمسائل الواهية والعابثة؛ أمّا مشاهدة هذه الأماكن بقصد التنبّه والتوجّه وأخذ العبرة وتصحيح الأفكار وإيجاد مسير الحياة، فهو أمرٌ مناسبٌ ومفيدٌ جدًا ولا إشكال فيه.
ولأمير المؤمنين عليه السّلام في نهج البلاغة خطبةٌ في ذمّ الاهتمام بآثار السلف والتفاخر بها على الآخرين، وهناك نقاط لافتة وغريبة في تفسير سورة {أَلْهاكُمُ التَّكاثُر} حول آثار الماضين* وتُعتبر مطالعتها من أهم المسائل للجميع.
*نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ٢۰٤، الخطبة ٢۱٥.
- كان لوالدنا المرحوم، العلّامة الطهراني ـ رضوان الله علیه ـ رفيقٌ ذو ضميرٍ حيٍّ وقلبٍ صافي، وكان ذو مكاشفاتٍ معنويّةٍ وروحانيّةٍ، ويُدعى المرحوم الحاجّ هادي الأبهري الخان صنمي ـ رحمة الله علیه ـ وقد أدرك هذا الحقير محضره واستفاد منه إلى سنّ السابعة عشر، وقد قال يومًا من الأيّام:
/
294
