
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
65يعود سرّ هذه المسألة إلى أنَّ هذا النوع من الأشخاص لا يشعرون بالارتباط بين الذات ومبدأ الوجود بسبب سيطرة الأنانيّة النفسيّة وغلبة الهوى والتمركز على الذات والعجب بالنفس، فلا يرى نفسه تحت إرادة الله ومشيئته القاهرة؛ ولذلك يرى لنفسه عظمةً وجلالًا فارغين وسلطةً (أهريمنيّة)۱ وعُلوّاً مجازيّاً وباطنًا فارغًا مقابل كبرياء الحقّ وعظمته. وبما أنّهم بعيدون عن الصفات الحسنة والمَلَكات العالية والراقيّة، ولا يمتلكون نقدًا ومالًا في سوق مكارم الأخلاق والمعرفة ولا يجدون في رأسمال وجودهم متاعًا يجذب أنظار أهل التشخيص والتعقّل، لذا يُصبحون مُجبرين على أن يُبرزوا القدرة الظاهريّة والمظاهر الدنيويّة التي تملأ العيون عن طريق المكر والخداع والإرعاب والتحذير، ومن خلال إبراز الرفعة والجلال الفارغين، ووضعها أمام العوام فيبعدونهم عن عزّة حضرة الحقّ وجلاله، ويسلّمون كبريائه وعظمته بيد النسيان كي يتمكّنوا من الاستقرار على مركب الهوى والهوس قدر ما يستطيعون، ويحكمون الشعوب ويُسيطرون على إرادتهم واختيارهم، ويمتطون جواد الهوس والاستبداد ويقفزون به.
والآن تعالوا لنقارن بين هذه السنّة والأسلوب وبين سنّة رسول الله والأئمّة المعصومين عليهم السّلام التي أمر بها وكانوا هم أنفسهم ملتزمين بها ومتقيّدين بها.
فمن جهةٍ هناك المعابد المشيّدة إلى علو السماء وبارتفاعات تعلو عن الخمسين مترًا وبحجارة قيّمة ورسومات تُذهل الناظر، وعجائب الزخارف والحرف والفنون، ومكان البابا الرفيع والأسقف وأرباب المسيحيّة واليهود، وعلى هذا فقس.... وفي الجهة الأخرى، هناك مسجد المدينة الذي أقيم على التراب والحصير وبجدارٍ ارتفاعه لا يتجاوز المترين، وسقفه من سعف النخل دون أيّ علامة أو شاخص لموقع إمام الجامعة وقائد المجتمع وحامل لواء الوحي وصاحب لواء الحمد والشفاعة الكبرى؛ وحتّى عندما طُلب منه أنَّ يبنوا سقفًا من الطوب والخشب على ذاك الجدار، لم يأذن وقال: أبدًا، «عريشٌ كعريش موسى»٢ ولم يتجاوز ذلك. فلماذا يجب أن يكون الأمر على هذا النحو؟ وما هو دافع رسول الله حتّى حكم بمثل هذا الأمر؟
إنَّ سبب هذه المسألة هو أصل التوحيد وأساس العبوديّة في قبال الربوبيّة، وقيام منهج الأنبياء على هذا الأساس ودورانه حول هذا المحور.
- أي: شعورًا بالألوهيّة المستقلّة عن ألوهيّة الله. (م)
- الكافي، ج ٣، ص ٢٩٥.
