
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
53ولهذا، نرى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ينصح في هذه الوصيّة بالحكمة؛ أي الكلام المتقن والاعتقاد الراسخ الذي يستطيع الإنسان من خلاله تشخيص موارد الشبهة، واتّقاء السقوط في فخّ الأهواء والنزوات والشيطان.
العلّة الثانية لنشوء التوهّمات وسقوط الإنسان في فخّها هي ميل النفس الإنسانيّة وتعلّقها بالظواهر الجزئيّة والأمور الحسّية ومظاهر عالم الطبع والمادّة؛ وهي مسألة يُعاني منها جميع الناس؛ العالم منهم والجاهل، الصغير والكبير، الرجل والمرأة؛ اللهمّ إلاّ تلك الطائفة من الناس الذين عبروا عن الجزئيّة والتحقوا بالكلّية عن طريق تهذيب نفوسهم وتزكيتها وتربيتها وإيصال قواهم الروحيّة والعقلانيّة إلى مرحلة الفعليّة.
كيفيّة تعلّق النفس وميلها نحو الأمور الحسيّة وظواهر عالم المادّة
فبسبب تعلّق النفس بعالم المادّة ـ والذي يُمثّل عين ظهور الحوادث الجزئيّة والقوالب المحدودة ـ فإنّ ميلها إلى الجزئيّات والأمور الظاهريّة سيفوق توجّهها إلى الكلّيات والقضايا الحقيقيّة والملاكات الكلّية، ممّا يُفضي بها في اختياراتها إلى التفكير في الأمور الظاهريّة أكثر من المسائل المنطقيّة والمعنويّة.
مثلًا: حينما يُريد شابٌ أن يختار زوجةً فأكثر ما ينظر إليه هو جمال الوجه والقوام الجميل وكم أنّ هذه الفتاة مُلفتةٌ للنظر، ويُغمض العين عن أصالة الأسرة والأخلاق الحميدة والالتزام بمسؤوليّات الحياة، والوفاء للعشق والمودّة بين الطرفين، وتقبّل طلبات الزوج ورغباته المنطقيّة؛ وعدم مُراعاة هذه النقطة هو الذي يؤدّي في المستقبل إلى بروز المرارة والفشل والمشاكل، وكثيرًا ما ينتج عن ذلك الفراق والانفصال في نواة العائلة.
ومن جهة الفتاة أيضًا يتمّ التفكير في الجهات الظاهريّة عند اختيار الزوج، من قبيل: الموقعيّة الاجتماعيّة والوظيفة الجيّدة وجمال الشمائل، وتتمّ الغفلة عن مقدار الالتزام بلوازم الارتباط الزوجي، والعقلانيّة في التدبير والتربية، والأخلاق المناسبة، والتقيّد بالموازين الشرعيّة.
وفي الخيارات المرتبطة بالأمور الاجتماعيّة، نشاهد بالعيان كيف أنّ الملاك في انتخاب الشخص قد يكون هو العلاقات الأسريّة والانتماء لمدينة واحدة وحيّ واحد، أو الكلمات المعسولة والوعود الكاذبة والفاتنة، أو العطايا والمنح المحسوبة بمكر وحيلة، أو ملأ الشوارع بالزخارف البرّاقة التي تسحر العيون واللوحات الدعائيّة الجذّابة، أو التجمّعات الحزبيّة المدروسة أو...، بحيث إنّ الإنسان لا يُفكّر أبدًا في لياقة المنتخَب لتدبير الأمور وإصلاح النظام الاجتماعي، ولا في أهليّته لإدارة المجتمع، ولا يهتمّ أبدًا بعواقب الأمور وانهيار نظام التحضّر.
