
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
38إنّ هؤلاء الأفراد ليس لديهم أدنى تصورٍ عن كيفيّة تكوّن النشأتين، فهل يتنافى تصوّر انتساب جميع الموجودات إلى ذات الباري المقدّسة مع هويتهم الخارجيّة بحيث تكون إحداهما مرّةً والأخرى حلوةً؟! وهل يتعارض رؤية تجليّات وظهورات حضرة الحقّ بنحوٍ جميلٍ والتفكير فيها بنحوٍ حسنٍ مع حدّة السكين وتقطيع الجلد واللحم؟! لا يقتصر الأمر على أنّه لا تعارض ولا تباين بين الأمرين، بل إنّه عين الجامعيّة للكثرة والوحدة في تجلّي الحقّ؛ ودون هذا الأمر، لن يكون للكثرة أيُّ معنى ومفهومٍ. إذن الأولياء الإلهيّين مثلنا يتذوّقون المرارة ويستطعمون الحلاوة، وكل ما يُؤثّر علينا في عالم الطبيعة سيؤثّر عليهم أيضًا.
كافة أفراد البشر مكلّفون وموظّفون بأداء الأوامر الإلهيّة
لقد اتضح هذا الموضوع من الجهة والحيثيّة التكوينيّة، وأما من ناحية التشريع ومقام التكليف ومراتب المعرفة والتهذيب فإنَّ جميع أفراد البشر مكلّفون وموظّفون بأداء الأوامر الإلهيّة، أمّا التوفيق بالقيام بالتكاليف فهو من ناحية الله كما يقول في القرآن الكريم:
﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه﴾۱.
أو كما ورد في الخطاب مع النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول عزّ وجلّ:
﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.٢
يعني: «بواسطة الرحمة واللطف الإلهيّين كنت تتعامل مع المشركين باللين والتصرّف الجميل، ولو أنّك تعاملت معهم بالفظاظة والقسوة وقلبٍ قاسٍ بلا مرونة، لانفضوا من حولك وتفرّقوا، ولانزعجوا منك».
إنّ الله ينسب في هذه الآية الشريفة الأخلاق الحميدة إلى نفسه، وينسب فظاظة الأخلاق إلى البشر وإلى آثار عالم الطبع والتعلّقات الدنيويّة.
أو كما يقول مولى المتقين في دعاء الصباح:
«إلٰهي، إِن لَم تَبتَدِئني الرَّحمَةُ مِنك بِحُسنِ التَّوفيقِ، فمَنِ السّالِكُ بي إِلَيك في واضِحِ الطَّريق».
- سورة النحل (۱٦)، صدر الآية ٥٣.
- سورة آل عمران (٣)، صدر الآية ۱٥٩.
