
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
36وأما الفرق الآخر، فهو من جهة انتهاء الخلقة في نشأة الشهادة وعالم الطبع، وذلك بهذه الكيفيّة، وهو أنّ النفس والروح الآدميّة تتعلّق بعد الخلقة والتشكّل ـ بحسب السعة الوجوديّة لكلّ فرد ـ في التنزّل لمراتب الأسماء والصفات إلى أدنى العوالم الذي هو عالم المادّة والطبع؛ وبواسطة هذا التعلّق يحصل الارتباط بالقالب الجسماني والمادّي؛ ويلزم من هذا الارتباط حدوث الغرائز والصفات والمَلكات المُسانخة والموافقة مع هذا العالم كغريزة الشهوة التي من أجل الاستمرار وحفظ النسل؛ أو الغضب الذي من أجل الدفاع ضدّ موانع الحياة ومن أجل تأمين مصالح البقاء، وغريزة الحبّ والرأفة، وأمثال ذلك.
ولا فرق في هذه المسألة بين مختلف الناس مع درجاتهم المختلفة؛ يعني: كما أنَّه يلزم عن وجود الإنسان في هذا العالم وجود غريزة الشهوة والغضب وغيرها من الغرائز لديه، وبدون هذه الغرائز سيكون استمرار الحياة مرهونًا بالخطر، كذلك فإنّ الميل نحو الجنس الآخر والتعلّق المخالف مودعٌ في باطن كلّ فردٍ من أفراد بني آدم، سواءً كان هذا الميل في أفراد البشر العاديّين أم في الأولياء والمعصومين عليهم السّلام؛ فكما أنّنا نستلذّ بالرائحة العطرة، ونبتهج بالوجه الجميل ونُسرّ للصوت الموزون، فكذلك الإمام عليه السّلام يستمتع مثلنا بهذه الأمور أيضًا؛ وكما يستلذ الأفراد العاديين من النساء والرجال بضمّ بعضهم البعض ويرغبون باستمرار ذلك، فكذلك أولياء الله يرغبون بذلك أيضًا؛ وكما أنَّ الآلام والابتلاءات الدنيويّة تُؤلم روحنا وجسمنا كذلك تؤلمهم أيضًا؛ وعلى هذا فقس....
وأولئك الذين يقولون: إنَّ الإمام عليه السّلام بعيد عن العلاقات الجنسيّة وفقط لأجل حفظ الظاهر يبادر إلى الزواج لأجل بقاء النسل ولا يحصل لديه أي لذة من هذه العلاقة، أو أنَّه لا نصيب له من نكهة المأكولات والمشروبات؛ أو أنَّه لا يتأثر بالأمور التي عادة توجب الحدث لسائر الأفراد ولا يحتاج إلى الغسل والوضوء، كلّها ناشئة من جهل الأفراد بموقعيّة وشأن الإمام عليه السّلام. إنّهم يتصوّرون أنّ الالتذاذ بهذه الأمور والتأثّر بأسباب الحدث يتنافيان مع شأن الإمام عليه السّلام، وساحةُ قدسه وطهارته بعيدةٌ عن هذه المسائل؛ وما شابه من التفكير الباطل والفكر العابث!
