
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
161﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُم﴾۱.
يعني: «أيّها النّاس! لقد خلقناكم من جنس الذكر والأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل مختلفة، كي تعرفوا مقامكم وتعلموا مكانتكم وحقيقتكم، فاعلموا أنّ أكرمكم عند الله، هو أتقاكم».
لم يجعل معيار الفضيلة والقرب من الله في هذه الآية الشريفة، جنس الخلق ونوع الخلق، بل تعالي النفس الآدميّة، بدون ملاحظة أيّ أمرٍ آخر؛ مثلما جعل الجنس المذكر جنبًا إلى جنب مع الجنس المؤنّث محلًا للخطاب في آياتٍ أخرى، ووجّه التكليف إليهما كليهما في سياقٍ واحدٍ، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرينَ اللَّهَ كَثيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظيماً﴾٢.
وبناءً على ذلك، فإن النفس والروح لكلا الجنسين نشأت من مرتبةٍ واحدةٍ، وهي نفس مرتبة ذات واجب الوجود؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي﴾٣ وكلّ شيءٍ في عالم الوجود يعتمد في قيمته ومقداره على أصله وجذوره، وليس على بروزه وظهوره في مقام التعيّن وفي الخارج؛ لأنه في مقام الرجوع سوف يعود إلى نفس جذره ومبدئه.
تنشأ مسألة الرجولة والأنوثة في المراتب التي دون مرتبة النفس
من هنا يتّضح أن مسألة الرجولة والأنوثة قد نشأتا في المراتب التي هي دون النفس، يعني: حقيقة روح الإنسان عبارةٌ عن حقيقةٍ واحدةٍ وواقعيّة واحدة، وفي السير النزولي من مقام الذات عندما تصل إلى مرتبة تركّب الصورة - والتي يُعبّر عنها بالملكوت - يتمّ تشكيل الجانب الفاعلي والانفعالي فيها؛ أمّا قبل ذلك فتكن هذه الحيثيّة منتفية؛ وسجود الملائكة [لآدم] كانت في مرتبة سابقة على الحيثيّة الفاعليّة والانفعاليّة وليس بعدها، وذلك إذا ما قارنّها بالنسبة إلى خلق الإنسان وتشكّله. وفي هذه المرتبة من تركّب الصورة تختلف خصائص كلا الجنسين.
- سورة الحجرات (٤٩)، صدر الآية ۱٣.
- سورة الأحزاب (٣٣)، الآية ٣٥.
- سورة الحجر (۱٥)، مقطعٌ من الآية ٢٩.
