
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
110وبالعكس فإنّ مَثَل الشخص الذي انخدع بالدنيا، وابتلي بالظواهر والأمور الجذّابة، ولم يأخذ زادًا لآخرته، ولم يكن لديه خبرٌ عن أحوالها ومقاماتها، مثل قومٍ ومجموعةٍ كانوا في منزلٍ جميلٍ ومحلٍّ ويسكنون في مكانٍ ساحرٍ، ثمّ نزلوا في منزلٍ جافٍ وقحطٍ وحارقٍ جدًا، فلم يكن هناك شيءٌ أبغض إليهم وأصعب من مفارقة ذلك المسكن والموطن ومن الحركة باتجاه المنزل الجديد».
حالات الإنسان المفترضة في مواجهة الحوادث التي تصيبه
النقطة التي تستحقّ التأمّل في هذه العبارات، هي مسألة اشتياق الإنسان بالنسبة إلى الدنيا والآخرة، وبشكلٍ عامٍّ، يُمكن أن يكون للإنسان حالةٌ من ثلاث حالات مفروضة فيما يتعلق بالأحداث القادمة، وذلك بالنحو التالي:
الحالة الأولى: أن تكون الحادثة التي يحتمل وقوعها لصالحه وموافقةً لرغبته وميله، وفي هذه الحالة سوف يمتلك الشوق والرغبة لتحققها، وفي كثيرٍ من الأحيان قد يتملّكه الاضطراب والتشويش خوفًا من عدم وقوعها.
الحالة الثانية: أن تكون حادثةً لا تتوافق مع مصالحه ورغباته وميوله؛ وفي هذه الحالة يكون مضطربًا وقلقًا خوفًا من تحقّقها، ويُريد منع حدوثها بأيّ وسيلةٍ، وأن يُبعد عن نفسه الظروف التي قد تُسبّب حصول هذه الحادثة.
الحالة الثالثة: أن لا تكون هناك أيّ علاقةٍ بينه وبين تلك الحادثة، فوجودها وعدم وجودها سواءٌ بالنسبة للإنسان؛ وفي هذه الحالة، يعبر عنها الإنسان بلا مبالاة ودون أن يعتني بها.
والمؤمن، بواسط ما لديه من رؤية وبصيرة فيما يتعلّق بالعوالم بعد الموت، حيث يُمثّل الانتقال من هذه الدنيا بالنسبة له ترك المصائب والمشاكل والاختلافات والأمراض والمخاطر، وفي المقابل الدخول في عالم المثال والبرزخ والتمتّع بالنعم اللامتناهية والابتهاج التامّ واللقاء بالأولياء الإلهيّين وإفاضة أنوار الجمال الربوبي، وإزالة جميع الأحزان والتشويشات والطيران في الفضاء العطِر اللامتناهي ومصاحبة مظاهر الجمال الإلهي من الحور والغلمان، ولذا فهو يعدّ اللحظات للانتقال من الدنيا إلى الآخرة قطعًا. ولا يحتمل الموانع الموجودة [من هذا الانتقال]، ولذا يستقبل ظروف تحقّق هذا الانتقال بطيب نفسٍ وسكينة خاطرٍ؛ كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتّقين:
