
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
109في حين أنّه ليس له نهاية وختام، إنّه أعظم من أن يُدرك ربوبيّته قلبٌ أو بصرٌ وأن يصل إلى كُنه ذاته؛ والآن حيث أنّك اطلعتَ على هذه الأمور وعلى هذه الأوصاف، وصرتَ مُطلعًا على قدرته وسلطنته وهيمنته على جميع الخلائق، فكن في قبال الله الواحد الأحد في طلب رضاه وتحصيل طاعته مثلما ينبغي لشخصٍ مثلك بلا مقدارٍ ولا تمكّن، وكما ينبغي لشخصٍ عجزه كثيرٌ واحتياجه إلى ربّه مُبرمٌ وعظيمٌ، وكن كما ينبغي لمثلك بالنسبة للخشية والخوف من عقوبته ومؤاخذته ومن غضبه وإبعاده؛ لأنّ الله لم يأمرك إلّا بالأفعال الحسنة، ولم ينهك إلّا عن الأفعال القبيحة».
بيان السبب والدافع وراء بيان الإمام لأحوال الدنيا والآخرة وخصوصيّاتهما
«أَي بُنَيَّ! إنّي قَد أَنبَأْتُكَ عَنِ الدُّنيا وحالِها، وزَوالِها وانتِقالِها، وأَنبَأْتُكَ عَنِ الآخرةِ وما أُعِدَّ لِأَهلِها [فيها]، وضَرَبتُ لَكَ فيهِما الأَمثالَ لِتَعتَبِرَ بِها، وتَحذُوَ عَلَيها، إنَّما مَثَلُ مَن خَبَرَ الدُّنيا كَمَثَلِ قَومٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِم مَنزِلٌ جَديبٌ، فَأَمّوا مَنزِلًا خَصيبًا وجَنابًا مَريعًا، فَاحْتَمَلوا وَعثَاءَ الطَّريقِ، وفِراقَ الصَّديقِ، وخُشونَةَ السَّفَرِ، وجُشوبَةَ المَطعَمِ، لِيأْتوا سَعَةَ دارِهِم ومَنزِلَ قَرارِهِم، فَلَيسَ يجِدونَ لِشَيءٍ مِن ذَلِكَ أَلَمًا، ولا يرَوْنَ نَفَقَةً [فيهِ] مَغرَمًا، ولا شَيءَ أحَبُّ إلَيهِم مِمّا قَرَّبَهُم مِن مَنزِلِهِم، وأَدناهُم مِن مَحَلِّهِمْ؛ ومَثَلُ مَنِ اغتَرَّ بِها كَمَثَلِ قَومٍ كانوا بِمَنزِلٍ خَصيبٍ فَنَبا بِهِم إلَى مَنزِلٍ جَديبٍ، فَلَيسَ شَيءٌ أَكرَهَ إلَيهِم ولا أَفظَعَ عِندَهُم مِن مُفارَقَةِ ما كَانوا فيهِ إلَى ما يَهجُمونَ عَلَيهِ، ويَصیرونَ إلَيهِ».
يعني: «يا بُنيّ! لقد أطلعتُكَ على أحوال الدنيا وخصوصيّاتها بنحوٍ جيّدٍ، وأنبأتك عن زوال الدنيا وانتقالها إلى الآخرة أيضًا، وأخبرتك عن عالم الآخرة وما أعدّه الله هناك، ونقلتُ لك الأمثلة التي يُمكنها أن تُبصّرك وتمنحك التكامل بالنسبة للدنيا والآخرة، حتّى تأخذ العبرة منها وكي تطوي طريقك في هذه الدنيا على علمٍ وبصيرةٍ.
فإنّما مثل الشخص الذي اطلع على خصوصيّات الدنيا، مثل قومٍ ومجموعةٍ نزلوا في منزلٍ في غاية الصعوبة والقحط وغير مريح، وكانوا يريدون أن يذهبوا من هناك إلى منزلٍ مليء بالخضرة والمراعي ويبعث على السرور، ولذا لم يكونوا يرون بدًا من تحمّل مشقّة الطريق وصعوبته، وأن يُفارقوا الأصدقاء والأحبّة، وأن يتحمّلوا مشكلات الطريق، والطعام غير المرغوب وكلّ ذلك لعدّة أيّامٍ إلى أن يصلوا إلى المنزل المقصود ويأووا إلى محلّ استقرارهم الأبدي، ولهذا السبب لا يشعر هؤلاء بأيّ نوعٍ من الألم والانزعاج من مواجهتهم لهذه المسائل، ولا يرون أنّ صرف الأموال من أجل الوصول إلى هذه الغاية خسارة أو غرامةً، وليس هناك من شيءٍ أحبّ إليهم من الشيء الذي يُوصلهم إلى منزلهم ويُقرّبهم من مقصدهم.
