
السعادة الأبديّة
شرحٌ إجماليٌّ لوصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السّلام في حاضرين
السعادة الأبديّة
104وصيّة أمير المؤمنين عليه السّلام بعدم ثبات الدنيا والاعتصام بالله عزّ وجلّ
«فَتَفَهَّم ـ يا بُنَيَّ! ـ وَصِيَّتي، واعلَم أنَّ مالِكَ المَوتِ هو مالِك الحَیاةِ، وأنَّ الخالِقَ هُو المُميتُ، وأنَّ المُفنِيَ هو المُعيدُ، وأنّ المُبتَلِيَ هو المُعافي، وأنَّ الدُّنيّا لَم تَكن لِتَستَقِرَّ إلّا عَلَى ما جَعَلَها اللهُ عَلَيهِ مِنَ النَّعماءِ والِابتِلاءِ والجَزاءِ في المَعادِ، أو ما شاءَ مِمّا لا نَعلَمُ. فَإن أَشكلَ عَلَيك شَيءٌ مِن ذَلِك فَاحمِلْهُ عَلَى جَهالَتِك به؛ فَإنَّكَ أوَّلُ ما خُلِقتَ جاهِلًا ثُمَّ عُلِّمتَ، وما أَكثَرَ ما تَجهَلُ مِنَ الأَمرِ، ويَتَحَيَّرُ فيهِ رَأْيُك، ويَضِلُّ فيهِ بَصَرُك، ثُمَّ تُبصِرُهُ بَعدَ ذَلِك، فَاعتَصِمْ بِالَّذي خَلَقَك ورَزَقَك وسَوّاكَ، ولْيكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ، وإلَيهِ رَغبَتُك، ومِنهُ شَفَقَتُك».
يعني: «فتفهمّ يا بُنيّ وصيّتي جيّدًا وتوجّه لها وأوصلها إلى أذن قلبك واعجنها بروحك ونفسك، واعلم أنّ مالك الموت والعدم هو نفسه مالك الحياة والمعيشة، وخالق الحياة هو نفسه خالق البوار والفناء، وأنّ الذي يُميت هو الذي يُعيد مرّةً أخرى، وأنّ تلك الذات التي تبتلي هي التي تفتح الطريق مرّةً أخرى، وأنّ الدنيا لم تُخلق من أجل الحياة الخالية من المصاعب ومن أجل البقاء، بل خلقها الله من أجل نِعم وابتلاءات الآخرة وجزائها، أو من أجل أمورٍ لا نعلمها ولم نطلع عليها.
فإذا حصلت لديك مشكلة في هذه المسائل وخلال مُضيّ العمر وما يظهر فيه من الحوادث بحيث لم تستطع أن تحلّها، فاحملها على جهلك وقصورك في العلم والبصيرة، (لا أن يحصل لديك شكٌّ في أصل تلك الحادثة والمسألة، فترى أنّها خاطئة؛ لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يكون متيقّنًا وجازمًا في جميع الأمور والأحداث).
لأنّك أتيت في أوّل خلقك وولادتك جاهلًا بالدنيا، ثمّ علمتَ واطّلعتَ بالتدريج، ومع ذلك لا تزال الكثير من العلوم والحقائق مجهولةً بالنسبة لك، ويتحيّر فيها رأيك ويتردّد، ويضلّ فيه بصرك وبصيرتك ثمّ بعد مضي وقتٍ من الزمان وتهيء أسباب العلم والمعرفة تعلمه وتتبصّر به.
