تفسير الميزان ج۲۰
66من الوثنيين يتخذ صنما لنفسه فحسب غير ما اتخذه غيره من الأصنام و لو كان اتخاذه (صلى الله عليه وآله و سلم) له تعالى ربا من هذا القبيل أو احتمل ذلك لم تصح دعوته إلى التوحيد.
و ليكون قوله: {رَبِّكَ }{رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ } و هو في معنى رب العالم كله توطئة و تمهيدا لقوله بعده: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} يعلل به توحيد الألوهية فإن الألوهية و هي المعبودية من فروع الربوبية التي هي الملك و التدبير كما تقدم مرارا فهو تعالى الإله وحده لا إله إلا هو لأنه الرب وحده لا رب إلا هو.
و قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أي في جميع أمورك، و توكيل الوكيل هو إقامة الإنسان غيره مقام نفسه بحيث تقوم إرادته مقام إرادته و عمله مقام عمله فاتخاذه تعالى وكيلا أن يرى الإنسان الأمر كله له و إليه تعالى أما في الأمور الخارجية و الحوادث الكونية فأن لا يرى لنفسه و لا لشيء من الأسباب الظاهرية استقلالا في التأثير فلا مؤثر في الوجود بحقيقة معنى التأثير إلا الله فلا يتعلق بتأثير سبب من الأسباب برضى أو سخط أو سرور أو أسف و غير ذلك بل يتوسل إلى مقاصده و مآربه بما عرفه الله من الأسباب من غير أن يطمئن إلى استقلالها في التأثير و يرجع الظفر بالمطلوب إلى الله ليختار له ما يرتضيه.
و أما الأمور التي لها تعلق بالعمل من العبادات و المعاملات فأن يجعل إرادته تابعة لإرادة ربه التشريعية فيعمل على حسب ما يريده الله تعالى منه فيما شرع من الشريعة.
و من هنا يظهر أن لقوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} ارتباطا بقوله: {وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ} إلخ و ما تقدم عليه من الأوامر التشريعية كما أن له ارتباطا بما تأخر عنه من قوله {وَ اِصْبِرْ} و قوله {اُهْجُرْهُمْ} و قوله: {وَ ذَرْنِي}.
قوله تعالى: {وَ اِصْبِرْ عَلىَ مَا يَقُولُونَ وَ اُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} معطوف هو و ما بعده على مدخول الفاء في قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} فالمعنى اتخذه وكيلا و لازم اتخاذه وكيلا أن تصبر على ما يقولون مما فيه إيذاؤك و الاستهزاء بك و رميك بما ليس فيك كقولهم: افترى على الله، كاهن شاعر، مجنون، أساطير الأولين و غير ذلك مما يقصه القرآن.
و أن تهجرهم هجرا جميلا، و المراد بالهجر الجميل على ما يعطيه السياق أن يعاملهم بحسن الخلق و الدعوة إلى الحق بالمناصحة، و لا يواجه قولهم بما في وسعه من المقابلة بالمثل، و الآية لا تدافع آية القتال فلا وجه لقول من قال: إنها منسوخة بآية القتال.

