تفسير الميزان ج۲۰
60يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدَانَ شِيباً ١٧ اَلسَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ١٨ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ١٩}
(بيان)
السورة تأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بقيام الليل و الصلاة فيه ليستعد بذلك لتلقي ثقل ما سيلقى عليه من القول الثقيل و القرآن الموحي إليه، و تأمره أن يصبر على ما يقولون فيه أنه شاعر أو كاهن أو مجنون إلى غير ذلك و يهجرهم هجرا جميلا، و فيها وعيد و إنذار للكفار و تعميم الحكم لسائر المؤمنين، و في آخرها تخفيف ما للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المؤمنين.
و السورة مكية من عتائق السور النازلة في أول البعثة حتى قيل: إنها ثانية السور النازلة على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو ثالثتها.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلْمُزَّمِّلُ} بتشديد الزاي و الميم و أصله المتزمل اسم فاعل من التزمل بمعنى التلفف بالثوب لنوم و نحوه، و ظاهره أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) كان قد تزمل بثوب للنوم فنزل عليه الوحي و خوطب بالمزمل.
و ليس في الخطاب به تهجين و لا تحسين كما توهمه بعضهم، نعم يمكن أن يستفاد من سياق الآيات أنه (صلى الله عليه وآله و سلم) كان قد قوبل في دعوته بالهزء و السخرية و الإيذاء فاغتم في الله فتزمل بثوب لينام دفعا للهم فخوطب بالمزمل و أمر بقيام الليل و الصلاة فيه و الصبر على ما يقولون على حد قوله تعالى: {اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ} البقرة: ١٥٣ فأفيد بذلك أن عليه أن يقاوم الكرب العظام و النوائب المرة بالصلاة و الصبر لا بالتزمل و النوم.
و قيل: المراد يا أيها المتزمل بعباءة النبوة أي المتحمل لأثقالها، و لا شاهد عليه من جهة اللفظ.
قوله تعالى: {قُمِ اَللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} المراد بقيام الليل القيام فيه إلى الصلاة فالليل مفعول به توسعا كما في قولهم: دخلت الدار، و قيل: معمول {قُمِ} مقدر و {اَللَّيْلَ} منصوب على الظرفية و التقدير قم إلى الصلاة في الليل، و قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناء من الليل.

