تفسير الميزان ج۲۰
21إن شاء و لن يدخل بما قدر أن لا يدخلها كافر.
قيل: إن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يصلي عند الكعبة و يقرأ القرآن فكان المشركون يجتمعون حوله حلقا حلقا و فرقا يستمعون و يستهزءون بكلامه، و يقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) فلندخلها قبلهم فنزلت الآيات.
و هذا القول لا يلائمه سياق الآيات الظاهر في تفرع صنعهم ذلك على ما مر من حرمان الناس من دخول الجنة إلا من استثني من المؤمنين إذ من الضروري على هذا أن اجتماعهم حوله (صلى الله عليه وآله و سلم) و إهطاعهم عليه إنما حملهم عليه إفراطهم في عداوته و مبالغتهم في إيذائه و إهانته، و أن قولهم: سندخل الجنة قبل المؤمنين و هم مشركون مصرون على إنكار المعاد غير معترفين بنار و لا جنة إنما كان استهزاء و تهكما.
فلا مساغ لتفريع عملهم ذاك على ما تقدم من حديث النار و الجنة و السؤال - في سياق التعجيب - عن السبب الحامل لهم عليه ثم استفهام طمعهم في دخول الجنة و إنكاره عليهم.
فبما تقدم يتأيد أن يكون المراد بالذين كفروا في قوله: {فَمَا لِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا} قوما من المنافقين آمنوا به (صلى الله عليه وآله و سلم) ظاهرا و لازموه ثم كفروا برد بعض ما نزل عليه كما يشير إليه أمثال قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلىَ قُلُوبِهِمْ} المنافقون ٣، و قوله: {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} التوبة ٦٦، و قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ } التوبة ٧٧.
فهؤلاء قوم كانوا قد آمنوا و دخلوا في جماعة المؤمنين و لازموا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مهطعين عليه عن اليمين و عن الشمال عزين ثم كفروا ببعض ما نزل إليه لا يبالون به فقرعهم الله سبحانه في هذه الآيات أنهم لا ينتفعون بملازمته و لا لهم أن يطمعوا في دخول الجنة فليسوا ممن يدخلها و ليسوا بسابقين و لا معجزين.
و يؤيده قوله الآتي: {إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلىَ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ} إلخ على ما سنشير إليه.
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} ردع لهم عن الطمع في دخول الجنة مع كفرهم.
و قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} المراد بما يعلمون النطفة فإن الإنسان مخلوق منها. و الكلام مرتبط بما بعده و المجموع تعليل للردع، و محصل التعليل أنا خلقناهم من النطفة

