تفسير الميزان ج۱٩
96يلقى إليه المعنى ثم إلى وضع الخط بجعل الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ فالخط مكمل لغرض الكلام، و هو يمثل الكلام كما أن الكلام يمثل المعنى.
و بالجملة البيان من أعظم النعم و الآلاء الربانية التي تحفظ لنوع الإنسان موقفه الإنساني و تهديه إلى كل خير.
هذا ما هو الظاهر المتبادر من الآيتين، و لهم في معناهما أقوال: فقيل: الإنسان هو آدم (عليه السلام) و البيان الأسماء التي علمه الله إياها، و قيل: الإنسان محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و البيان القرآن أو تعليمه المؤمنين القرآن، و قيل: البيان الخير و الشر علمهما الإنسان، و قيل: سبيل الهدى و سبيل الضلال إلى غير ذلك و هي أقوال بعيدة عن الفهم.
قوله تعالى: {اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} الحسبان مصدر بمعنى الحساب، و الشمس مبتدأ و القمر معطوف عليه، و بحسبان خبره، و الجملة خبر بعد خبر لقوله: {اَلرَّحْمَنُ} و التقدير الشمس و القمر يجريان بحساب منه على ما قدر لهما من نوع الجري.
قوله تعالى: {وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} قالوا: المراد بالنجم ما ينجم من النبات و يطلع من الأرض و لا ساق له، و الشجر ما له ساق من النبات، و هو معنى حسن يؤيده الجمع و القرن بين النجم و الشجر و إن كان ربما أوهم سبق ذكر الشمس و القمر كون المراد بالنجم هو الكواكب.
و سجود النجم و الشجر انقيادهما للأمر الإلهي بالنشوء و النمو على حسب ما قدر لهما كما قيل، و أدق منه أنهما يضربان في التراب بأصولهما و أعراقهما لجذب ما يحتاجان إليه من المواد العنصرية التي يغتذيان بها و هذا السقوط على الأرض إظهارا للحاجة إلى المبدأ الذي يقضي حاجتهما و هو في الحقيقة الله الذي يربيهما كذلك سجود منهما له تعالى.
و الكلام في إعراب قوله: {وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} و هو معطوف على الآية السابقة كالكلام في قوله: {اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} و التقدير و النجم و الشجر يسجدان له.
قال في الكشاف: فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن يعني قوله: {اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ } - إلى قوله - {يَسْجُدَانِ}؟ قلت: استغني فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه و السجود له لا لغيره.
و قال في وجه إخلاء الآيات السابقة {خَلَقَ اَلْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ اَلْبَيَانَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }عن العاطف ما محصله أن هذه الجمل الأول واردة على سنن التعديد ليكون كل

