تفسير الميزان ج۱٩
57الدارجة الهالكة أو أخبار يوم القيامة و قد احتمل كل منهما، و الظاهر من تعقيب الآية بأنباء يوم القيامة ثم بأنباء عدة من الأمم الهالكة أن المراد بالأنباء التي فيها مزدجر جميع ذلك.
قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ اَلنُّذُرُ} الحكمة كلمة الحق التي ينتفع بها، و البلوغ وصول الشيء إلى ما تنتهي إليه المسافة و يكنى به عن تمام الشيء و كماله فالحكمة البالغة هي الحكمة التامة الكاملة التي لا نقص فيها من حيث نفسها و من حيث أثرها.
و قوله: {فَمَا تُغْنِ اَلنُّذُرُ} الفاء فيه فصيحة تفصح عن جملة مقدرة تترتب عليها الكلام، و النذر جمع نذير بمعنى المنذر أو بمعنى الإنذار و الكل صحيح و إن كان الأول أقرب إلى الفهم.
و المعنى: هذا القرآن أو الذي يدعون إليه حكمة بالغة كذبوا بها و اتبعوا أهواءهم فما تغني المنذرون أو الإنذارات؟.
قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ} التولي الإعراض و الفاء في {فَتَوَلَّ} لتفريع الأمر بالتولي على ما تقدمه من وصف حالهم أي إذا كانوا مكذبين بك متبعين أهواءهم لا يغني فيهم النذر و لا تؤثر فيهم الزواجر فتول عنهم و لا تلح عليهم بالدعوة.
و قوله: {يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ} قال الراغب: الإنكار ضد العرفان يقال: أنكرت كذا و نكرت، و أصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، و ذلك ضرب من الجهل قال تعالى: {فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}. قال: و النكر الدهاء و الأمر الصعب الذي لا يعرف. انتهى.
و قد تم الكلام في قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} ببيان حالهم تجاه الحكمة البالغة التي ألقيت إليهم و الزواجر التي ذكروا بها على سبيل الإنذار، ثم أعاد سبحانه نبذة من تلك الزواجر التي هي أنباء من حالهم يوم القيامة و من عاقبة حال الأمم المكذبين من الماضين في لحن العتاب و التوبيخ الشديد الذي تهز قلوبهم للانتباه و تقطع منابت أعذارهم في الإعراض.
فقوله: {يَوْمَ يَدْعُ اَلدَّاعِ} إلخ، كلام مفصول عما قبله لذكر الزواجر التي أشير إليها سابقا في مقام الجواب عن سؤال مقدر كأنه لما قال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} سئل فقيل: فإلى م يئول أمرهم؟ فقيل: {يَوْمَ يَدْعُ} إلخ، أي هذه حال آخرتهم و تلك عاقبة دنيا أشياعهم و أمثالهم من قوم نوح و عاد و ثمود و غيرهم، و ليسوا خيرا منهم.
و على هذا فالظرف في {يَوْمَ يَدْعُ} متعلق بما سيأتي من قوله: {يَخْرُجُونَ} و المعنى:

