تفسير الميزان ج۱٩
206و الأنسب لما تقدم من كون {لِلْفُقَرَاءِ} إلخ، بيانا لمصاديق سهم السبيل هو عطف {وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا} إلخ، و كذا قوله الآتي: {وَ اَلَّذِينَ جَاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ} على قوله: {اَلْمُهَاجِرِينَ} إلخ، دون الاستئناف.
بل ما ورد من إعطائه (صلى الله عليه وآله و سلم) للثلاثة يؤيد هذا الوجه بعينه إذ لو كان السهيم فيه الفقراء المهاجرين فحسب لم يعط الأنصار و لا لثلاثة منهم، و لو كان للفقراء من الأنصار كالمهاجرين فيه سهم - و ظاهر الآية أن جمعا منهم كانوا فقراء بهم خصاصة و التاريخ يؤيده - لأعطى غير الثلاثة من فقراء الأنصار كما أعطى فقراء المهاجرين و استوعبهم.
فقوله: {وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ضمير {مِنْ قَبْلِهِمْ} للمهاجرين و المراد من قبل مجيئهم و هجرتهم إلى المدينة.
و قوله: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي يحبون من هاجر إليهم لأجل هجرتهم من دار الكفر إلى دار الإيمان و مجتمع المسلمين.
و قوله: {وَ لاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} ضميرا {يَجِدُونَ} و {صُدُورِهِمْ} للأنصار، و ضمير {أُوتُوا} للمهاجرين، و المراد بالحاجة ما يحتاج إليه و من تبعيضية و قيل: بيانية و المعنى: لا يخطر ببالهم شيء مما أعطيه المهاجرون فلا يضيق نفوسهم من تقسيم الفيء بين المهاجرين دونهم و لا يحسدون.
و قيل: المراد بالحاجة ما يؤدي إليه الحاجة و هو الغيظ.
و قوله: {وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} إيثار الشيء اختياره و تقديمه على غيره، و الخصاصة الفقر و الحاجة، قال الراغب: خصاص البيت فرجه و عبر عن الفقر الذي لم يسد بالخصاصة كما عبر عنه بالخلة انتهى.
و المعنى: و يقدمون المهاجرين على أنفسهم و لو كان بهم فقر و حاجة، و هذه الخصيصة أغزر و أبلغ في مدحهم من الخصيصة السابقة فالكلام في معنى الإضراب كأنه قيل: إنهم لا يطمحون النظر فيما بأيدي المهاجرين بل يقدمونهم على أنفسهم فيما بأيديهم أنفسهم في عين الفقر و الحاجة.
و قوله: {وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ} قال الراغب: الشح بخل مع حرص فيما كان عادة انتهى. و «يوق» فعل مضارع مجهول من الوقاية بمعنى الحفظ، و المعنى: و من يحفظ أي يحفظه الله من ضيق نفسه من بذل ما بيده من المال أو من

