تفسير الميزان ج۱٩
205و يتاماهم و مساكينهم و ابن السبيل منهم ثم أشار إلى مصداق الصرف في السبيل أو بعض مصاديقه و هم الفقراء المهاجرون إلخ، ينفق منه الرسول لهم على ما يرى.
و على هذا ينبغي أن يحمل ما ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قسم فيء بني النضير بين المهاجرين و لم يعط الأنصار شيئا إلا ثلاثة من فقرائهم: أبا دجانة سماك بن خرشة و سهل بن حنيف و الحارث بن الصمة فقد صرف فيهم بما أنه صرف في سبيل الله لا بما أنهم سهماء في الفيء.
و كيف كان فقوله: {لِلْفُقَرَاءِ اَلْمُهَاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ} المراد بهم من هاجر من المسلمين من مكة إلى المدينة قبل الفتح و هم الذين أخرجهم كفار مكة بالاضطرار إلى الخروج فتركوا ديارهم و أموالهم و هاجروا إلى مدينة الرسول.
و قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَاناً} الفضل الرزق أي يطلبون من الله رزقا في الدنيا و رضوانا في الآخرة.
و قوله: {وَ يَنْصُرُونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ} أي ينصرونه و رسوله بأموالهم و أنفسهم، و قوله: {أُولَئِكَ هُمُ اَلصَّادِقُونَ} تصديق لصدقهم في أمرهم و هم على هذه الصفات.
قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدَّارَ وَ اَلْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} إلخ، قيل: إنه استئناف مسوق لمدح الأنصار لتطيب بذلك قلوبهم إذ لم يشركوا في الفيء، {وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا} و المراد بهم الأنصار مبتدأ خبره {يُحِبُّونَ} إلخ، و المراد بتبوي الدار و هو تعميرها بناء مجتمع ديني يأوي إليه المؤمنون على طريق الكناية، و الإيمان معطوف على {اَلدَّارَ} و تبوي الإيمان و تعميره رفع نواقصه من حيث العمل بحيث يستطاع العمل بما يدعو إليه من الطاعات و القربات من غير حجر و منع كما كان بمكة.
و احتمل أن يعطف {اَلْإِيمَانَ} على تبوؤا و قد حذف الفعل العامل فيه، و التقدير: و آثروا الإيمان.
و قيل: إن قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا} إلخ، معطوف على قوله: {اَلْمُهَاجِرِينَ} و على هذا يشارك الأنصار المهاجرين في الفيء، و الإشكال عليه بأن المروي أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قسمه بين المهاجرين و لم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة من فقرائهم مدفوع بأن الرواية من شواهد العطف دون الاستئناف إذ لو لم يجز إعطاؤه للأنصار لم يجز لا للثلاثة و لا للواحد فإعطاء بعضهم منه دليل على مشاركتهم لهم غير أن الأمر لما كان راجعا إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان له أن يصرفه كيف يشاء فرجح أن يقسمه بينهم على تلك الوتيرة.

