تفسير الميزان ج۱٩
189بقوله: {وَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} إلخ، أي إذا أردتم أن تناجوا الرسول فتصدقوا قبلها.
و قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ} تعليل للتشريع نظير قوله: {وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: ١٨٤، و لا شك أن المراد بكونها خيرا لهم و أطهر أنها خير لنفوسهم و أطهر لقلوبهم و لعل الوجه في ذلك أن الأغنياء منهم كانوا يكثرون من مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) يظهرون بذلك نوعا من التقرب إليه و الاختصاص به و كان الفقراء منهم يحزنون بذلك و ينكسر قلوبهم فأمروا أن يتصدقوا بين يدي نجواهم على فقرائهم بما فيها من ارتباط النفوس و إثارة الرحمة و الشفقة و المودة و صلة القلوب بزوال الغيظ و الحنق.
و في قوله: {ذَلِكَ} التفات إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بين خطابين للمؤمنين و فيه تجليل لطيف له (صلى الله عليه وآله و سلم) حيث إن حكم الصدقة مرتبط بنجواه (صلى الله عليه وآله و سلم) و الالتفات إليه فيما يرجع إليه من الكلام مزيد عناية به.
و قوله: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به فلا يجب عليكم تقديمها و قد رخص الله لكم في نجواه و عفا عنكم إنه غفور رحيم فقوله: {فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} من وضع السبب موضع المسبب.
و فيه دلالة على رفع الوجوب عن المعدمين كما أنه قرينة على إرادة الوجوب في قوله: {فَقَدِّمُوا} إلخ، و وجوبه على الموسرين.
قوله تعالى: {أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} إلخ، الآية ناسخة لحكم الصدقة المذكور في الآية السابقة، و فيه عتاب شديد لصحابة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المؤمنين حيث إنهم تركوا مناجاته (صلى الله عليه وآله و سلم) خوفا من بذل المال بالصدقة فلم يناجه أحد منهم إلا علي (عليه السلام) فإنه ناجاه عشر نجوات كلما ناجاه قدم بين يدي نجواه صدقة ثم نزلت الآية و نسخت الحكم.
و الإشفاق الخشية، و قوله: {أَنْ تُقَدِّمُوا} إلخ، مفعوله و المعنى: أ خشيتم التصدق و بذل المال للنجوى، و احتمل أن يكون المفعول محذوفا و التقدير أ خشيتم الفقر لأجل بذل المال.
قال بعضهم: جمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة

