تفسير الميزان ج۱٩
14و حمل صاحب الكشاف الآية على نوع من الاستعارة فرفع به التنافي بين الآيتين قال: كان نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه فإن عمل صالحا فكها و خلصها و إلا أوبقها. انتهى.
و أنت خبير بأن مجرد ما ذكره لا يوجه اتصال الجملة أعني قوله: {كُلُّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} بما قبلها.
قوله تعالى: {وَ أَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَ لَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} بيان لبعض تتماتهم و تمتعاتهم في الجنة المذكورة إجمالا في قوله السابق: {كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً} إلخ.
و الإمداد الإتيان بالشيء وقتا بعد وقت و يستعمل في الخير كما أن المد يستعمل في الشر قال تعالى: {وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ اَلْعَذَابِ مَدًّا} مريم: ٧٩.
و المعنى: أنا نرزقهم بالفاكهة و ما يشتهونه من اللحم رزقا بعد رزق و وقتا بعد وقت من غير انقطاع.
قوله تعالى: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَ لاَ تَأْثِيمٌ} التنازع في الكأس تعاطيها و الاجتماع على تناولها، و الكأس القدح و لا يطلق الكأس إلا فيما كان فيها الشراب.
و المراد باللغو لغو القول الذي يصدر من شاربي الخمر في الدنيا، و التأثيم جعل الشخص ذا إثم و هو أيضا من آثار الخمر في الدنيا، و نفي اللغو و التأثيم هو القرينة على أن المراد بالكأس التي يتنازعون فيها كأس الخمر.
قوله تعالى: {وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} المراد به طوافهم عليهم للخدمة قال بعضهم: قيل: {غِلْمَانٌ لَهُمْ} بالتنكير و لم يقل: غلمانهم لئلا يتوهم أن المراد بهم غلمانهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فهم كالحور من مخلوقات الجنة كأنهم لؤلؤ مكنون مخزون في الحسن و الصباحة و الصفا.
قوله تعالى: {وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} أي يسأل كل منهم غيره عن حاله في الدنيا و ما الذي ساقه إلى الجنة و النعيم؟.
قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} قال الراغب: و الإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه و يخاف ما يلحقه قال تعالى: {وَ هُمْ مِنَ اَلسَّاعَةِ

