تفسير الميزان ج۱۸
98قوله تعالى: {وَ قَالُوا لَوْ لاَ نُزِّلَ هَذَا اَلْقُرْآنُ عَلىَ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} المراد بالقريتين مكة و الطائف، و مرادهم بالعظمة على ما يفيده السياق ما هو من حيث المال و الجاه اللذين هما ملاك الشرافة و علو المنزلة عند أبناء الدنيا، و المراد بقوله: {رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} رجل من إحدى القريتين حذف المضاف إيجازا.
و مرادهم أن الرسالة منزلة شريفة إلهية لا ينبغي أن يتلبس به إلا رجل شريف في نفسه عظيم مطاع في قومه، و النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فقير فاقد لهذه الخصلة، فلو كان القرآن الذي جاء به وحيا نازلا من الله فلو لا نزل على رجل عظيم من مكة أو الطائف كثير المال رفيع المنزلة.
و في المجمع: و يعنون بالرجل العظيم من إحدى القريتين الوليد بن المغيرة من مكة و أبا مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف. عن قتادة، و قيل: عتبة بن أبي ربيعة من مكة و ابن عبد ياليل من الطائف. عن مجاهد، و قيل: الوليد بن المغيرة من مكة و حبيب بن عمر الثقفي من الطائف. عن ابن عباس. انتهى.
و الحق أن ذلك من تطبيق المفسرين و إنما قالوا ما قالوا على الإبهام و أرادوا أحد هؤلاء من عظماء القريتين على ما هو ظاهر الآية.
قوله تعالى: {أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} إلخ، المراد بالرحمة - على ما يعطيه السياق - النبوة.
و قال الراغب: العيش الحياة المختصة بالحيوان، و هو أخص من الحياة لأن الحياة تقال في الحيوان و في الباري تعالى و في الملك، و يشتق منه المعيشة لما يتعيش به. انتهى. و قال: التسخير سياقه إلى الغرض المختص قهرا إلى أن قال: و السخري هو الذي يقهر فيتسخر بإرادته. انتهى.
و الآية و الآيتان بعدها في مقام الجواب عن قولهم: {لَوْ لاَ نُزِّلَ هَذَا اَلْقُرْآنُ عَلىَ رَجُلٍ} إلخ، و محصلها أن قولهم هذا تحكم ظاهر ينبغي أن يتعجب منه فإنهم يحكمون فيما لا يملكون. هذه معيشتهم في الحياة الدنيا يعيشون بها و يرتزقون و هي رحمة منا لا قدر لها و لا منزلة عندنا و ليست إلا متاعا زائلا نحن نقسمها بينهم و هي خارجة عن مقدرتهم و مشيتهم فكيف يقسمون النبوة التي هي الرحمة الكبرى و هي مفتاح سعادة البشر الدائمة و الفلاح الخالد فيعطونها لمن شاءوا و يمنعونها ممن شاءوا.

