تفسير الميزان ج۱۸
97آلهة غير الله إلى عبادته تعالى أي يرجع بعضهم - و هم العابدون لغير الله بدعوة بعضهم و هم العابدون لله - إلى عبادته تعالى، و بهذا يظهر أن المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوهم عن الموحد ما داموا، و لعل هذا عن استجابة دعائه (عليه السلام) إذ يقول: {وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ} إبراهيم: ٣٥.
و قيل: الضمير في «جعل» لإبراهيم (عليه السلام) فهو الجاعل هذه الكلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجعوا إليها، و المراد بجعلها باقية فيهم وصيته لهم بذلك كما قال تعالى: {وَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اَللَّهَ اِصْطَفىَ لَكُمُ اَلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} البقرة: ١٣٢.
و أنت خبير بأن الوصية بكلمة التوحيد لا تسمى جعلا للكلمة باقية في العقب و إن صح أن يقال: أراد بها ذلك لكنه غير جعلها باقية فيهم.
و قيل: المراد أن الله جعل الإمامة كلمة باقية في عقبه و سيجيء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
و يظهر من الآية أن ذرية إبراهيم (عليه السلام) لا تخلو من هذه الكلمة إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَ آبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ اَلْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ} إضراب عما يفهم من الآية السابقة، و المعنى: أن رجوعهم عن الشرك إلى التوحيد كان هو الغاية المرجوة منهم لكنهم لم يرجعوا بل متعت هؤلاء من قومك و آباءهم فتمتعوا بنعمي {حَتَّى جَاءَهُمُ اَلْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ}.
و لعل الالتفات إلى التكلم وحده في قوله: {بَلْ مَتَّعْتُ} للإشارة إلى تفخيم جرمهم و أنهم لا يقصدون في كفرانهم للنعمة و كفرهم بالحق و رمية بالسحر إلا إياه تعالى وحده.
و المراد بالحق الذي جاءهم هو القرآن، و بالرسول المبين محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) .
قوله تعالى: {وَ لَمَّا جَاءَهُمُ اَلْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَ إِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} هذا طعنهم في الحق الذي جاءهم و هو القرآن و يستلزم الطعن في الرسول. كما أن قولهم الآتي: {لَوْ لاَ نُزِّلَ} إلخ، كذلك.

