تفسير الميزان ج۱۸
191نفسه العلم بالغيب، و أن ما يجري عليه و عليهم من الحوادث خارج عن إرادته و اختياره و ليس له في شيء منها صنع بل يفعله به و بهم غيره و هو الله سبحانه.
فقوله: {وَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَ لاَ بِكُمْ} كما ينفي عنه العلم بالغيب ينفي عنه القدرة على شيء مما يصيبه و يصيبهم مما هو تحت أستار الغيب.
و نفي الآية العلم بالغيب عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) لا ينافي علمه بالغيب من طريق الوحي كما يصرح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ» }آل عمران: ٤٤، يوسف: ١٠٢، و قوله: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ» }هود: ٤٩، و قوله: {عَالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ» }الجن: ٢٧ و من هذا الباب قول المسيح (عليه السلام): {وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} آل عمران: ٤٩، و قول يوسف (عليه السلام) لصاحبي السجن: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} يوسف: ٣٧.
وجه عدم المنافاة أن الآيات النافية للعلم بالغيب عنه و عن سائر الأنبياء (عليه السلام) إنما تنفيه عن طبيعتهم البشرية بمعنى أن تكون لهم طبيعة بشرية أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خاصتها العلم بالغيب بحيث يستعمله في جلب كل نفع و دفع كل شر كما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب و هذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي كما أن إتيانهم بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم بل بإذن من الله تعالى و أمر، قال تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً} الإسراء: ٩٣، جوابا عما اقترحوا عليه من الآيات، و قال: {قُلْ إِنَّمَا اَلْآيَاتُ عِنْدَ اَللَّهِ وَ إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} العنكبوت: ٥٠، و قال: {وَ مَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ} المؤمن: ٧٨.
و يشهد بذلك قوله بعده متصلا به: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ} فإن اتصاله بما قبله يعطي أنه في موضع الإضراب، و المعنى: أني ما أدري شيئا من هذه الحوادث بالغيب من قبل نفسي و إنما أتبع ما يوحى إلي من ذلك.
و قوله: {وَ مَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} تأكيد لجميع ما تقدم في الآية من قوله: {مَا كُنْتُ بِدْعاً} إلخ، و {وَ مَا أَدْرِي} إلخ، و قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ} إلخ.

