تفسير الميزان ج۱۸
189و قوله: {قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللَّهِ شَيْئاً} أي إن افتريت القرآن لأجلكم أخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب على الافتراء و لستم تقدرون على دفع عذابه عني فكيف أفتريه عليه لأجلكم، و المحصل أني على يقين من أمر الله و أعلم أنه يأخذ المفترى عليه أو يعاجل في عقوبته و أنكم لا تقدرون على دفع ما يريده فكيف أفتري عليه فأعرض نفسي على عذابه المقطوع لأجلكم؟ أي لست بمفتر عليه.
و يتبين بذلك أن جزاء الشرط في قوله: {إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي} إلخ، محذوف و قد أقيم مقامه ما يجري مجرى ارتفاع المانع، و التقدير: إن افتريته أخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب و لا مانع من قبلكم يمنع عنه، و ليس من قبيل وضع المسبب موضع السبب كما قيل.
و قوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} الإفاضة في الحديث الخوض فيه و {بِمَا} موصولة يرجع إليه ضمير «فيه» أو مصدرية و مرجع الضمير هو القرآن، و المعنى: الله سبحانه أعلم بالذي تخوضون فيه من التكذيب برمي القرآن بالسحر و الافتراء على الله أو المعنى: هو أعلم بخوضكم في القرآن.
و قوله: {كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ} احتجاج ثان على نفي الافتراء و أول الاحتجاجين قوله: {إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللَّهِ شَيْئاً} و قد تقدم بيانه آنفا، و معنى الجملة: أن شهادة الله سبحانه في كلامه بأنه كلامه و ليس افتراء مني يكفي في نفي كوني مفتريا به عليه، و قد صدق سبحانه هذه الدعوى بقوله: {لَكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} النساء: ١٦٦، و ما في معناه من الآيات، و أما أنه كلامه فيكفي في ثبوته آيات التحدي.
و قوله: {وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ} تذييل الآية بالاسمين الكريمين للاحتجاج على نفي ما يتضمنه تحكمهم الباطل من نفي الرسالة كأنه قيل: إن قولكم: {اِفْتَرَاهُ} يتضمن دعويين: دعوى عدم كون هذا القرآن من كلام الله و دعوى بطلان الرسالة و الوثنيون ينفونها مطلقا أما الدعوى الأولى فيدفعه أولا: أنه إن افتريته فلا تملكون، إلخ، و ثانيا: أن الله يكفيني شهيدا على كونه كلامه لا كلامي.
و أما الدعوى الثانية فيدفعها أن الله سبحانه غفور رحيم، و من الواجب في حكمته أن يعامل خلقه بالمغفرة و الرحمة و لا تشملان إلا التائبين الراجعين إليه الصالحين

