تفسير الميزان ج۱۸
117يستدعيه السياق أن يكون الضمير لابن مريم، و المراد بكونه مثلا على ما قيل كونه آية عجيبة إلهية يسير ذكره كالأمثال السائرة.
و المعنى: ليس ابن مريم إلا عبدا متظاهرا بالعبودية أنعمنا عليه بالنبوة و تأييده بروح القدس و إجراء المعجزات الباهرة على يديه و غير ذلك و جعلناه آية عجيبة خارقة نصف به الحق لبني إسرائيل.
و هذا المعنى - كما ترى - رد لقولهم: {أَ آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} الظاهر في تفضيلهم آلهتهم في ألوهيتها على المسيح (عليه السلام) في ألوهيته و محصله أن المسيح لم يكن إلها حتى ينظر في منزلته في ألوهيته و إنما كان عبدا أنعم الله عليه بما أنعم، و أما آلهتهم فنظر القرآن فيهم ظاهر.
قوله تعالى: {وَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي اَلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} الظاهر أن الآية متصلة بما قبلها مسرودة لرفع استبعاد أن يتلبس البشر من الكمال ما يقصه القرآن عن عيسى (عليه السلام) فيخلق الطير و يحيي الموتى و يكلم الناس في المهد إلى غير ذلك، فيكون كالملائكة المتوسطين في الإحياء و الإماتة و الرزق و سائر أنواع التدبير و يكون مع ذلك عبدا غير معبود و مألوها غير إله فإن هذا النوع من الكمال عند الوثنية مختص بالملائكة و هو ملاك ألوهيتهم و معبوديتهم و بالجملة هم يحيلون تلبس البشر بهذا النوع من الكمال الذي يخصونه بالملائكة.
فأجيب بأن لله أن يزكي الإنسان و يطهره من أدناس المعاصي بحيث يصير باطنه باطن الملائكة فظاهره ظاهر البشر و باطنه باطن الملك يعيش في الأرض يخلف مثله و يخلفه مثله و يظهر منه ما يظهر من الملائكة۱.
و على هذا فمن في قوله {مِنْكُمْ} للتبعيض، و قوله: {يَخْلُفُونَ} أي يخلف بعضهم بعضا.
و في المجمع، أن «من» في قوله: {مِنْكُمْ} تفيد معنى البدلية كما في قوله:
- و ليس هذا من الانقلاب المحال في شيء بل نوع من التكامل الوجودي بالخروج من حد منه أدنى إلى حد منه أعلى كما بين في محله.

