تفسير الميزان ج۱۷
98(بيان)
لما فرغ من تفصيل آيات التوحيد المشار إليه إجمالا في أول الكلام شرع في تفصيل خبر المعاد و ذكر كيفية قيام الساعة و إحضارهم للحساب و الجزاء و ما يجزى به أصحاب الجنة و ما يجازى به المجرمون كل ذلك تبيينا لما تقدم من إجمال خبر المعاد.
قوله تعالى: {وَ يَقُولُونَ مَتىَ هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} كلام منهم وارد مورد الاستهزاء مبني على الإنكار، و لعله لذلك جيء باسم الإشارة الموضوعة للقريبة و لأن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و المؤمنين كثيرا ما كانوا يسمعونهم حديث يوم القيامة و ينذرونهم به، و الوعد يستعمل في الخير و الشر إذا ذكر وحده و إذا قابل الوعيد تعين الوعد للخير و الوعيد للشر.
قوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ} النظر بمعنى الانتظار، و المراد بالصيحة نفخة الصور الأولى بإعانة السياق، و توصيف الصيحة بالوحدة للإشارة إلى هوان أمرهم على الله جلت عظمته فلا حاجة إلى مئونة زائدة، و {يَخِصِّمُونَ} أصله يختصمون من الاختصام بمعنى المجادلة و المخاصمة.
و الآية جواب لقولهم: {مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ} مسوقة سوق الاستهزاء بهم و الاستهانة بأمرهم كما كان قولهم كذلك، و المعنى ما ينتظر هؤلاء القائلون: متى هذا الوعد في سؤالهم عن وقت الوعد المنبئ عن الانتظار إلا صيحة واحدة يسيرة علينا بلا مئونة و لا تكلف تأخذهم فلا يسعهم أن يفروا و ينجوا منها و الحال أنهم غافلون عنها يختصمون فيما بينهم.
قوله تعالى: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاَ إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} أي يتفرع على هذه الصيحة بما أنها تفاجئهم و لا تمهلهم أن يموتوا من فورهم فلا يستطيعوا توصية على أن الموت يعمهم جميعا دفعة فلا يترك منهم أحدا يوصى إليه و لا أن يرجعوا إلى أهلهم إذا كانوا في الخارج من بيوتهم مثلا.
قوله تعالى: {وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدَاثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} هذه هي نفخة الصور الثانية التي بها الإحياء و البعث، و الأجداث جمع جدث و هو القبر و النسل الإسراع في المشي و في التعبير عنه بقوله: {إِلى رَبِّهِمْ} تقريع لهم لأنهم كانوا ينكرون

