تفسير الميزان ج۱۷
93بذلك و المآل واحد، أو الشرك و المعاصي في الدنيا و العذاب في الآخرة و هو أوجه الوجوه.
و ثانيا: أن حذف جواب إذا للدلالة على أن حالهم بلغت من الجرأة على الله و الاستهانة بالحق مبلغا لا يستطاع معها ذكر ما يجيبون به داعي الحق إذا دعاهم إلى التقوى فيجب أن يترك أسفا و لا يذكر، و قد دل عليه بقوله: {وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}.
قوله تعالى: {وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} المراد بإتيان الآيات موافاتها لهم بالمشاهدة أو بالتلاوة و الذكر، و أيضا هي أعم من أن تكون آية آفاقية أو أنفسية، أو تكون آية معجزة كالقرآن فهم معرضون عنها جميعا.
قوله تعالى: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} إلى آخر الآية كان قوله: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ مَا خَلْفَكُمْ} متعرضا لجوابهم إذا دعوا إلى عبادة الله و هي أحد ركني الدين الحق، و هذه الآية تعرضت لجوابهم إذا دعوا إلى الشفقة على خلق الله و هو الركن الآخر و معلوم أن جوابهم الرد دون القبول.
فقوله: {وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} يتضمن دعوتهم إلى الإنفاق على الفقراء و المساكين من أموالهم و في التعبير عن الأموال بما رزقهم الله إشعار بأن المالك لها حقيقة هو الله الذي رزقهم بها و سلطهم عليها، و هو الذي خلق الفقراء و المساكين و أقام حاجتهم إلى ما عند هؤلاء من فضل المؤن الذي لا يفتقرون إليه فلينفقوا عليهم و ليحسنوا و ليجملوا و الله يحب الإحسان و جميل الفعل.
و قوله: {قَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ أَطْعَمَهُ} جوابهم للدعوة إلى الإنفاق، و إنما أظهر القائل الذين كفروا و مقتضى المقام الإضمار للإشارة إلى أن كفرهم بالحق و إعراضهم عنه باتباع الشهوات هو الذي دعاهم إلى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الإعراض عما تدعو إليه الفطرة من الشفقة على خلق الله و إصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الإظهار في قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} للإشارة إلى أن قائل {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ} هم الذين آمنوا.
و في قولهم: {أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اَللَّهُ أَطْعَمَهُ} إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا لهم:

