تفسير الميزان ج۱۷
79قوله تعالى: {قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ} الخطاب للرجل و هو - كما يفيده السياق - يلوح إلى أن القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد: {وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ} إلخ فوضع قوله: {قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} موضع الإخبار عن قتلهم إياه إشارة إلى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم و بين أمره بدخول الجنة أي فصل و انفكاك كأن قتله بأيديهم هو أمره بدخول الجنة.
و المراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة، و قول بعضهم: إن المراد بها جنة الآخرة و المعنى سيقال له: ادخل الجنة يوم القيامة و التعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل: إن الله رفعه إلى السماء فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها إلى قيام الساعة، و هو تحكم كسابقه.
و قيل: إن القائل: {اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} هو القوم قالوا له ذاك حين قتله استهزاء و فيه أنه لا يلائم ما أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} إلخ فإن ظاهره أنه تمنى علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء {اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} و لم يسبق من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك.
و قوله: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ} استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان بعد تأييده للرسل؟ فقيل: {قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ} ثم قيل: فما ذا كان بعد؟ فقيل: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} إلخ و هو نصح منه لقوله ميتا كما كان ينصحهم حيا.
و {مَا} في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي} إلخ مصدرية، و قوله: {وَ جَعَلَنِي} عطف على {غَفَرَ} و المعنى بمغفرة ربي لي و جعله إياي من المكرمين.
و موهبة الإكرام و إن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإكرام بالنعمة كما في قوله: { فَأَمَّا اَلْإِنْسَانُ إِذَا مَا اِبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، الفجر: ١٥ و قوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات: ١٣ فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الإطلاق إلا طائفتين من خلقه: الملائكة الكرام كما في قوله: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}

