تفسير الميزان ج۱۷
75و كيف كان فقوله: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ظاهر معناه أن الذي ينبغي أن تتشأموا به هو معكم و هو حالة إعراضكم عن الحق الذي هو التوحيد و إقبالكم إلى الباطل الذي هو الشرك.
و قيل: المعنى طائركم أي حظكم و نصيبكم من الخير و الشر معكم من أفعالكم إن خيرا فخير و إن شرا فشر، هذا و هو أخذ الطائر بالمعنى الثاني لكن قوله بعد: {أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أنسب بالنسبة إلى المعنى الأول.
و قوله: {أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ} استفهام توبيخي و المراد بالتذكير تذكيرهم بالحق من وحدانيته تعالى و رجوع الكل إليه و نحوهما و جزاء الشرط محذوف في الكلام تلويحا إلى أنه مما لا ينبغي أن يذكر أو يتفوه به و التقدير أ إن ذكرتم بالحق قابلتموه بمثل هذا الجحود الشنيع و الصنيع الفظيع من التطير و التوعد.
و قوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي مجاوزون للحد في المعصية و هو إضراب عما تقدم و المعنى بل السبب الأصلي في جحودكم و تكذيبكم للحق أنكم قوم تستمرون على الإسراف و مجاوزة الحد.
قوله تعالى: {وَ جَاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قَالَ يَا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ} أقصى المدينة أبعد مواضعها بالنسبة إلى مبدإ مفروض، و قد بدلت القرية في أول الكلام مدينة هنا للدلالة على عظمها و السعي هو الإسراع في المشي.
و وقع نظير هذا التعبير في قصة موسى و القبطي و فيها {وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ يَسْعى} فقدم «رجل» هناك و أخر هاهنا و لعل النكتة في ذلك أن الاهتمام هناك بمجيء الرجل و إخباره موسى بائتمار الملإ لقتله فقدم الرجل ثم أشير إلى اهتمام الرجل نفسه بإيصال الخبر و إبلاغه فجيء بقوله: {يَسْعى} حالا مؤخرا بخلاف ما هاهنا فالاهتمام بمجيئه من أقصى المدينة ليعلم أن لا تواطؤ بينه و بين الرسل في أمر الدعوة فقدم {مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ} و أخر الرجل و سعيه.
و قد اشتد الخلاف بينهم في اسم الرجل و اسم أبيه و حرفته و شغله و لا يهمنا الاشتغال بذلك في فهم المراد و لو توقف عليه الفهم بعض التوقف لأشار سبحانه في كلامه إليه و لم يهمله.

