تفسير الميزان ج۱۷
64الخلقة مخاطبا بها إبليس{فَالْحَقُّ وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } ص: ٨٥ و المراد بتبعية إبليس طاعته فيما يأمر به بالوسوسة و التسويل بحيث تثبت الغواية و ترسخ في النفس كما يشير إليه قوله تعالى خطابا لإبليس{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغَاوِينَ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} الحجر: ٤٣.
و لازمه الطغيان و الاستكبار على الحق كما يشير إليه ما يحكيه الله من تساؤل المتبوعين و التابعين في النار{ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} الصافات: ٣٢، و قوله {وَ لَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذَابِ عَلَى اَلْكَافِرِينَ قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ} الزمر: ٧٢.
و لازمه الانكباب على الدنيا و الإعراض عن الآخرة بالمرة و رسوخ ذلك في نفوسهم قال تعالى: {وَ لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا عَلَى اَلْآخِرَةِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكَافِرِينَ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْغَافِلُونَ} النحل: ١٠٨ فيطبع الله على قلوبهم و من آثاره أن لا سبيل لهم إلى الإيمان قال تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يونس: ٩٦.
و بما تقدم ظهر أن الفاء في قوله: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} للتفريع لا للتعليل كما احتمله بعضهم.
قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} الأعناق جمع عنق بضمتين و هو الجيد، و الأغلال جمع غل بالكسر و هي على ما قيل ما تشد به اليد إلى العنق للتعذيب و التشديد، و مقمحون اسم مفعول من الإقماح و هو رفع الرأس كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت رءوسهم مرفوعة إلى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى ما بين أيديهم من الطريق فيعرفوها و يميزوها من غيرها.
و تنكير قوله: {أَغْلاَلاً} للتفخيم و التهويل.
و الآية في مقام التعليل لقوله السابق: {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.

