تفسير الميزان ج۱۷
58و تباعدوا للاستكبار في الأرض و قوله: {وَ مَكْرَ اَلسَّيِّئِ} معطوف على {اِسْتِكْبَاراً} و مفعول لأجله مثله، و قيل: معطوف على {نُفُوراً} و الإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل قوله ثانيا: {وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ} إلخ.
و قوله: {وَ لاَ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} أي لا يصيب و لا ينزل المكر السيئ إلا بأهله و لا يستقر إلا فيه، فإن المكر السيئ و إن كان ربما أصاب به مكروه للممكور به، لكنه سيزول و لا يدوم إلا أن أثره السيئ بما أنه المكر سيئ يبقى في نفس الماكر و سيظهر فيه و يجزى به إما في الدنيا و إما في الآخرة البتة، و لهذا فسر الآية في مجمع البيان، بقوله: و المعنى لا ينزل جزاء المكر السيئ إلا بمن فعله.
و الكلام مرسل إرسال المثل كقوله تعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} يونس: ٢٣ {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ} الفتح: ١٠.
و قوله: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ} النظر و الانتظار بمعنى التوقع و الفاء للتفريع و الجملة استنتاج مما تقدمها و الاستفهام للإنكار و المعنى و إذ مكروا المكر السيئ و المكر السيئ يحيق بأهله فهم لا ينتظرون إلا السنة الجارية في الأمم الماضين و هي العذاب الإلهي النازل بهم إثر مكرهم و تكذيبهم بآيات الله.
و قوله: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلاً} تبديل السنة أن توضع العافية و النعمة موضع العذاب، و تحويلها أن ينقل العذاب من قوم يستحقونه إلى غيرهم، و سنة الله لا تقبل تبديلا و لا تحويلا لأنه تعالى على صراط مستقيم لا يقبل حكمه تبعيضا و لا استثناء.
و قد أخذ الله بالعذاب هؤلاء المشركين الماكرين يوم بدر فقتل عامتهم. و الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو لكل سامع.
قوله تعالى: {أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} استشهاد على سنته الجارية في الأمم الماضية و قد كانوا أشد قوة من مشركي مكة فأخذهم الله بالعذاب لما مكروا و كذبوا.
قوله تعالى: {وَ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً

