تفسير الميزان ج۱۷
56و نقل عن بعضهم أنه فسر الزوال بالانتقال المكاني، و المعنى أن الله يمنع السماوات و الأرض من أن ينتقل شيء منهما عن مكانه الذي استقر فيه فيرتفع أو ينخفض انتهى و الشأن في تصور مراده تصورا صحيحا.
و قوله: {وَ لَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} السياق يعطي أن المراد بالزوال هاهنا الإشراف على الزوال إذ نفس الزوال لا يجتمع معه الإمساك و المعنى و أقسم لئن أشرفتا على الزوال لم يمسكهما أحد من بعد الله سبحانه إذ لا مفيض للوجود غيره و يمكن أن يكون المراد بالزوال معناه الحقيقي و المراد بالإمساك القدرة على الإمساك و قد تبين أن {مِنْ} الأولى زائدة للتأكيد و الثانية للابتداء، و ضمير {مِنْ بَعْدِهِ} راجع إليه تعالى، و قيل: راجع إلى الزوال.
و قوله: {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} فهو لحلمه لا يعجل إلى أمر و لمغفرة يستر جهات العدم في الأشياء، و مقتضى الاسمين أن يمسك السماوات و الأرض أن تزولا إلى أجل مسمى.
و قال في إرشاد العقل السليم: إنه كان حليما غفورا غير معاجل بالعقوبة التي تستوجبها جناياتهم حيث أمسكهما و كانتا جديرتين بأن تهدا هدا حسبما قال تعالى: {تَكَادُ اَلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ} انتهى.
قوله تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} قال الراغب: الجهد - بفتح الجيم - و الجهد – بضمها - الطاقة و المشقة - إلى أن قال - و قال تعالى: {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي حلفوا و اجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. انتهى. و قال: النفر الانزعاج عن الشيء و إلى الشيء كالفزع إلى الشيء و عن الشيء يقال: نفر عن الشيء نفورا قال تعالى: {مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} انتهى.
قيل۱ بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود و النصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم انتهى، و سياق الآية يصدق هذا النقل و يؤيده.
- رواه في الدر المنثور عن أبي هلال و عن ابن جريح.

