تفسير الميزان ج۱۷
54عليه دليل و الدليل إما من العالم أو من قبل الله سبحانه أما العالم فلا شيء منه يدل على كونه مخلوقا لهم و لو بنحو الشركة و هو قوله: {أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ}.
و أما من قبله تعالى فلو كان لكان كتابا سماويا نازلا من عنده سبحانه يعترف بربوبيتهم و يجوز للناس أن يعبدوهم و يتخذوهم آلهة، و لم ينزل كتاب على هذه الصفة و هم معترفون بذلك و هو قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلىَ بَيِّنَةٍ مِنْهُ}.
و إنما عبر عن نفي خالقيتهم في الأرض بقوله: {أَرُونِي مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ} و لم يقل: أنبئوني أ لهم شرك في الأرض؟ و عبر في السماوات بقوله: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ} و لم يقل: أم ما ذا خلقوا من السماوات.
لأن المراد بالأرض - على ما يدل عليه سياق الاحتجاج - العالم الأرضي و هو الأرض بما فيها و ما عليها و المراد بالسماوات العالم السماوي المشتمل على السماوات و ما فيها و ما عليها فقوله: {مَا ذَا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ} في معنى أ لهم شرك في الأرض و لا يكون إلا بخلق شيء منها، و قوله: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمَاوَاتِ} في معنى أم ما ذا خلقوا من السماوات، و قد اكتفى بذكر الخلق في جانب الأرض إشارة إلى أن الشرك في الربوبية لا يكون إلا بخلق.
و قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلىَ بَيِّنَةٍ مِنْهُ} أي بل آتيناهم كتابا فهم على بينة منه أي على حجة ظاهرة من الكتاب أن لشركائهم شركة معنا و ذلك بدلالته على أنهم شركاء لله.
و قد قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} و لم يقل: أم لهم كتاب و نحو ذلك ليتأكد النفي و الإنكار فإن قولنا: أم لهم كتاب و نحو ذلك إنكار لوجود الكتاب لكن قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} إنكار لوجود الكتاب ممن ينزل الكتاب لو نزل.
و قد تبين بما تقدم أن ضمير الجمع في {آتَيْنَاهُمْ} و في {فَهُمْ عَلىَ بَيِّنَةٍ} للمشركين فلا يعبأ بما قيل: إن الضميرين للشركاء.
و قوله: {بَلْ إِنْ يَعِدُ اَلظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} إضراب عما تقدم من الاحتجاج بأن الذي حملهم على الشرك ليس هو حجة تحملهم عليه و يعتمدون عليها بل

