تفسير الميزان ج۱۷
46و يحتمل أن يكون راجعا إلى {عِبَادِنَا } من غير إفادة الإضافة للتشريف فيكون قوله: {فَمِنْهُمْ} مفيدا للتعليل و المعنى إنما أورثنا الكتاب بعض عبادنا و هم المصطفون لا جميع العباد لأن من عبادنا من هو ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق و لا يصلح الكل للوراثة.
و يمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى{وَ أَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اَلْكِتَابَ} المؤمن: ٥٤.
و ما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه و المقتصد و السابق بالخيرات يعطي أن المراد بالظالم لنفسه من عليه شيء من السيئات و هو مسلم من أهل القرآن لكونه مصطفى و وارثا، و المراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد السبيل و سواء الطريق و المراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم و المقتصد إلى درجات القرب فهو إمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال تعالى: {وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ أُولَئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ }الواقعة: ١١.
و قوله تعالى: {ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ} أي ما تقدم من الإيراث هو الفضل الكبير من الله لا دخل للكسب فيه.
هذا ما يعطيه السياق و تفيده الأخبار من معنى الآية و فيها للقوم اختلاف عجيب فقد اختلف في {ثُمَّ} فقيل: هي للتراخي بحسب الأخبار، و قيل: للتراخي الرتبي، و قيل: للتراخي الزماني. ثم العطف على {أَوْحَيْنَا} أو على {اَلَّذِي أَوْحَيْنَا}.
و اختلف في {أَوْرَثْنَا} فقيل: هو على ظاهره، و قيل: معناه حكمنا بإيراثه و قدرناه، و اختلف في {اَلْكِتَابَ} فقيل: المراد به القرآن، و قيل: جنس الكتب السماوية، و اختلف في {اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنَا} فقيل: المراد بهم الأنبياء، و قيل: بنو إسرائيل، و قيل: أمة محمد، و قيل: العلماء منهم، و قيل: ذرية النبي من ولد فاطمة (عليها السلام).
و اختلف في {مِنْ عِبَادِنَا} فقيل: من للتبعيض أو للابتداء أو للتبيين و يختلف المراد من العباد بحسب اختلاف معنى {مِنْ} و كذا إضافة {عِبَادِنَا} للتشريف على بعض الوجوه و لغيره على بعضها.

