تفسير الميزان ج۱۷
42المادة المشتركة التي لا اختلاف فيها فاختلاف العناصر المكونة منها يدل على عامل آخر وراء المادة يدبر أمرها و يسوقها إلى غايات مختلفة.
و الظاهر أن المراد باختلاف ألوان الثمرات اختلاف نفس ألوانها و يلزمه اختلافات أخر من حيث الطعم و الرائحة و الخواص، و قيل المراد باختلاف الألوان اختلاف الأنواع فكثيرا ما يطلق اللون في الفواكه و الأطعمة على النوع كما يقال: قدم فلان ألوانا من الطعام و الفاكهة فهو من الكناية، و قوله بعد: {وَ مِنَ اَلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ} لا يخلو من تأييد للوجه الأول.
و في قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} إلخ. التفات من الغيبة إلى التكلم. قيل: إن ذلك لكمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة و الحكمة.
و نظير الوجه يجري في قوله السابق: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً} و أما ما في الآية السابقة من قوله: {ثُمَّ أَخَذْتُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} فلعل الوجه فيه أن أمرهم إلى الله لا يتخلل بينه و بينهم أحد حتى يشفع لهم أو ينصرهم فينجوا من العذاب.
و قوله: {وَ مِنَ اَلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَ غَرَابِيبُ سُودٌ} الجدد بالضم فالفتح جمع جدة بضم الجيم و هي الطريقة و الجادة، و البيض و الحمر جمع أبيض و أحمر، و الظاهر أن قوله: {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} صفة لجدد و {أَلْوَانُهَا} فاعل {مُخْتَلِفٌ} و لو كانت الجملة مبتدأ و خبرا لقيل: مختلفة ألوانها كما قيل، و الغرابيب جمع غربيب و هو الأسود الشديد السواد و منه الغراب و {سُودٌ} بدل أو عطف بيان لغرابيب.
و المعنى: أ لم تر أن من الجبال طرائق بيض و حمر و سود مختلف ألوانها، و المراد إما الطرق المسلوكة في الجبال و لها ألوان مختلفة، و إما نفس الجبال التي هي خطوط مختلفة ممدودة على وجه الأرض بيض و حمر و سود مختلف ألوانها.
قوله تعالى: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ وَ اَلدَّوَابِّ وَ اَلْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} أي و من الناس و الدواب التي تدب في الأرض و الأنعام كالإبل و الغنم و البقر بعض مختلف ألوانه بالبياض و الحمرة و السواد كاختلاف الثمرات و الجبال في ألوانها.

