تفسير الميزان ج۱۷
35إن يرد إذهابكم يذهبكم أيها الناس لأنه غني عنكم لا يستضر بذهابكم و يأت بخلق جديد يحمدونه و يثنون عليه لا لحاجة منه إليهم بل لأنه حميد و مقتضاه أن يجود فيحمد و ليس ذلك على الله بصعب لقدرته المطلقة لأنه الله عز اسمه.
فقد بان أن مضمون الآية متفرع على مضمون الآية السابقة فقوله: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} متفرع على كونه تعالى غنيا، و قوله: {وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} متفرع على كونه تعالى حميدا، و قد فرع مضمون الجملتين في موضع آخر على غناه و رحمته قال تعالى: { وَ رَبُّكَ اَلْغَنِيُّ ذُو اَلرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} الأنعام: ١٣٣.
قوله تعالى: {وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىَ} إلخ. قال الراغب: الوزر بفتحتين الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ} و الوزر بالكسر فالسكون الثقل تشبيها بوزر الجبل، و يعبر به عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً} (الآية) كقوله: {لَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَ أَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}. انتهى فالمعنى لا تحمل نفس حاملة للإثم إثم نفس أخرى و لازم ذلك أن لا تؤاخذ نفس إلا بما حملت من إثم نفسها و اكتسبته من الوزر.
و الآية كأنه دفع دخل يشعر به آخرها كأنه لما قال: إن يشأ يذهبكم و يأت بآخرين، فهددهم بالإهلاك و الإفناء، قيل: هؤلاء المكذبون أخذوا بوزرهم فما حال المؤمنين؟ أ يؤخذون بوزر غيرهم؟.
فأجيب أن لا تزر وازرة وزر أخرى و لا تحمل نفس حمل غيرها الذي أثقلها و إن كانت ذات قربى.
فهؤلاء المكذبون هم المعنيون بالتهديد و لا تنفع فيهم دعوتك و إنذارك لأنهم مطبوع على قلوبهم، و إنما ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم بالغيب و يقيمون الصلاة و الفريقان لا يستويان لأن مثلهم مثل الأعمى و البصير، و الظلمات و النور، و الظل و الحرور، و الأحياء و الأموات.
فقوله: {وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىَ} أي لا تحمل نفس حاملة للوزر و الإثم إثم نفس أخرى حاملة.
و قوله: {وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلىَ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَ لَوْ كَانَ ذَا قُرْبىَ} أي

