تفسير الميزان ج۱۷
239لأن الإله إنما يعبد لأنه رب مدبر فيعبد إما خوفا منه أو رجاء فيه أو شكرا له.
و قوله: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره و هو ربكم الذي خلقكم و دبر أمركم و هو المليك عليكم.
قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ} إلى آخر الآية. مسوق لبيان أن الدعوة إلى التوحيد و إخلاص الدين لله سبحانه ليست لحاجة منه تعالى إلى إقبالهم إليه بالانصراف عن عبادة غيره بل لعناية منه تعالى بهم فيدعوهم إلى سعادتهم اعتناء بها كما يعتني برزقهم فيفيض النعم عليهم و كما يعتني بحفظهم فيلهمهم أن يدفعوا الآفات عن أنفسهم.
فقوله: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} الخطاب لعامة المكلفين أي إن تكفروا بالله فلم توحدوه فإنه غني عنكم لذاته لا ينتفع بإيمانكم و طاعتكم و لا يتضرر بكفركم و معصيتكم فالنفع و الضرر إنما يتحققان في مجال الإمكان و الحاجة و أما الواجب الغني بذاته فلا يتصور في حقه انتفاع و لا تضرر.
و قوله: {وَ لاَ يَرْضى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ} دفع لما ربما يمكن أن يتوهم من قوله: {فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} إنه إذا لم يتضرر بكفر و لم ينتفع بإيمان فلا موجب له أن يريد منا الإيمان و الشكر فدفعه بأن تعلق العناية الإلهية بكم يقتضي أن لا يرضى بكفركم و أنتم عباده.
و المراد بالكفر كفر النعمة الذي هو ترك الشكر بقرينة مقابلة قوله: {وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} و بذلك يظهر أن التعبير بقوله: {لِعِبَادِهِ} دون أن يقول: لكم للدلالة على علة الحكم أعني سبب عدم الرضا.
و المحصل أنكم عباد مملوكون لله سبحانه منغمرون في نعمه و رابطة المولوية و العبودية و هي نسبة المالكية و المملوكية لا تلائمه أن يكفر العبد بنعمة سيده فينسى ولاية مولاه و يتخذ لنفسه أولياء من دونه و يعصي المولى و يطيع عدوه و هو عبد عليه طابع العبودية لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا.
و قوله: {وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} الضمير للشكر نظير قوله تعالى{اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى} المائدة: ٨ و المعنى و إن تشكروا الله بالجري على مقتضى العبودية

