تفسير الميزان ج۱۷
238أنبهكم أنه هو العزيز فآمنوا به و اعتزوا بعزته، الغفار فآمنوا به يغفر لكم.
قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} إلخ الخطاب لعامة البشر، و المراد بالنفس الواحدة على ما تؤيده نظائره من الآيات آدم أبو البشر، و المراد بزوجها امرأته التي هي من نوعها و تماثلها في الإنسانية، و {ثُمَّ} للتراخي بحسب رتبة الكلام.
و المراد أنه تعالى خلق هذا النوع و كثر أفراده من نفس واحدة و زوجها.
و قوله: {وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الأنعام هي الإبل و البقر و الضأن و المعز، و كونها ثمانية أزواج باعتبار انقسامها إلى الذكر و الأنثى.
و تسمية خلق الأنعام في الأرض إنزالا لها باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا لها من خزائنه التي هي عنده و من الغيب إلى الشهادة قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر: ٢١.
و قوله: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} بيان لكيفية خلق من تقدم ذكره من البشر و الأنعام، و في الخطاب تغليب أولي العقل على غيرهم، و الخلق من بعد الخلق التوالي و التوارد كخلق النطفة علقة و خلق العلقة مضغة و هكذا، و الظلمات الثلاث هي ظلمة البطن و الرحم و المشيمة - كما قيل - و رواه في المجمع، عن أبي جعفر (عليه السلام).
و قيل: المراد بها ظلمة الصلب و الرحم و المشيمة و هو خطأ فإن قوله: {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} صريح في أن المراد بالظلمات الثلاث ما في بطون النساء دون أصلاب الرجال.
و قوله: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ} أي الذي وصف لكم في الآيتين بالخلق و التدبير هو ربكم دون غيره لأن الرب هو المالك الذي يدبر أمر ما ملكه و إذ كان خالقا لكم و لكل شيء دونكم و للنظام الجاري فيكم فهو الذي يملككم و يدبر أمركم فهو ربكم لا غير.
و قوله: {لَهُ اَلْمُلْكُ} أي على جميع المخلوقات في الدنيا و الآخرة فهو المليك على الإطلاق» و تقديم الظرف يفيد الحصر، و الجملة خبر بعد خبر لقوله: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ} كما أن قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ }كذلك، و انحصار الألوهية فيه تعالى فرع انحصار الربوبية فيه

