تفسير الميزان ج۱۷
237الإشارة إلى الخلق و التدبير بيانا لقهاريته تعالى لكن اتصال الآيتين و ارتباطهما مضمونا و انتهاء الثانية إلى قوله: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ} إلخ كالصريح في أن ذلك استئناف بيان للاحتجاج على توحيد الربوبية.
فالآية و التي تليها مسوقتان لتوحيد الربوبية و قد جمع فيهما بين الخلق و التدبير لما مر مرارا أن إثبات وحدة الخالق لا يستلزم عند الوثني نفي تعدد الأرباب و الآلهة لأنهم لا ينكرون انحصار الخلق و الإيجاد فيه تعالى لكنه سبحانه فيما يحتج على توحده في الربوبية و الألوهية في كلامه يجمع بين الخلق و التدبير إشارة إلى أن التدبير غير خارج من الخلق بل هو خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه و عند ذلك يتم الاحتجاج على رجوع التدبير إليه تعالى و انحصاره فيه برجوع الخلق إليه.
و قوله: {خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ} إشارة إلى الخلقة، و في قوله: {بِالْحَقِّ} - و الباء للملابسة - إشارة إلى البعث فإن كون الخلقة حقا غير باطل يلازم كونها لغاية تقصدها و تنساق إليها و هي البعث قال تعالى: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} ص: ٢٧.
و قوله: {يُكَوِّرُ اَللَّيْلَ عَلَى اَلنَّهَارِ وَ يُكَوِّرُ اَلنَّهَارَ عَلَى اَللَّيْلِ} قال في المجمع، التكوير طرح الشيء بعضه على بعض. انتهى فالمراد طرح الليل على النهار و طرح النهار على الليل فيكون من الاستعارة بالكناية قريب المعنى من قوله{يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهَارَ} الأعراف: ٥٤ و المراد استمرار توالي الليل و النهار بظهور هذا على ذاك ثم ذاك على هذا و هكذا، و هو من التدبير.
و قوله: {وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} أي سخر الشمس و القمر فأجراهما للنظام الجاري في العالم الأرضي إلى أجل مسمى معين لا يتجاوزانه.
و قوله: {أَلاَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْغَفَّارُ} يمكن أن يكون في ذكر الاسمين إشارة إلى ما يحتج به على توحده تعالى في الربوبية و الألوهية فإن العزيز الذي لا يعتريه ذلة إن كان فهو الله و هو المتعين للعبادة لا غيره الذي تغشاه الذلة و تغمره الفاقة و كذا الغفار للذنوب إذا قيس إلى من ليس من شأنه ذلك.
و يمكن أن يكون ذكرهما تحضيضا على التوحيد و الإيمان بالله الواحد و المعنى

