تفسير الميزان ج۱۷
224قوله تعالى: {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ اَلْأَعْلىَ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} الملأ الأعلى جماعة الملائكة و كأن المراد باختصامهم ما أشار تعالى إليه بقوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} إلى آخر الآيات.
و كأن المعنى إني ما كنت أعلم اختصام الملإ الأعلى حتى أوحى الله إلي ذلك في كتابه فإنما أنا منذر أتبع الوحي.
قوله تعالى: {إِنْ يُوحىَ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} تأكيد لقوله: {إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} و بمنزلة التعليل لقوله: {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ اَلْأَعْلى} و المعنى لم أكن أعلم ذلك لأن علمي ليس من قبل نفسي و إنما هو بالوحي و ليس يوحى إلي إلا ما يتعلق بالإنذار.
قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} الذي يعطيه السياق أن الآية و ما بعدها ليست تتمة لقول النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): {إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} إلخ و الشاهد عليه قوله: {رَبُّكَ} فهو من كلامه تعالى يشير إلى زمان اختصام الملإ الأعلى و الظرف متعلق بما تعلق به قوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أو متعلق بمحذوف و التقدير «اذكر إذ قال ربك للملائكة» إلخ فإن قوله تعالى للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} و قوله لهم: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} متقارنان وقعا في ظرف واحد.
و على هذا يؤول معنى قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} إلخ إلى نحو من قولنا: اذكر وقتئذ قال ربك كذا و كذا فهو وقت اختصامهم.
و جعل بعضهم قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} إلخ مفسرا لقوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} ثم أخذ الاختصام بعد تفسيره بالتقاول مجموع قوله تعالى للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} و قولهم: {أَ تَجْعَلُ} إلخ، و قوله لآدم و قول آدم لهم، و قوله تعالى لهم: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً} و قول إبليس و قوله تعالى له.
و قال على تقدير كون الاختصام بمعنى المخاصمة و دلالة قوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} على كون المخاصمة بين الملائكة أنفسهم لا بينهم و بين الله سبحانه أن إخباره تعالى لهم بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً} كان بتوسط ملك من الملائكة و كذا قوله لآدم و لإبليس فيكون قولهم لربهم: {أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} إلخ و غيره قولا منهم للملك المتوسط و يقع الاختصام فيما بينهم أنفسهم.

