تفسير الميزان ج۱۷
223فالتدبير خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه و الخالق الموجد للسماوات و الأرض و ما بينهما هو الله سبحانه - حتى عند الخصم - فهو تعالى ربها المدبر لها جميعا فهو وحده الإله الذي يجب أن يقصد بالعبادة لأن العبادة تمثيل عبودية العابد و مملوكيته تجاه مولوية المعبود و مالكيته و تصرفه في العابد بإفاضة النعمة و دفع النقمة فهو سبحانه الإله في السماوات و الأرض و ما بينهما لا إله غيره. فافهم ذلك.
و يمكن أن يكون قوله: {رَبُّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا} بيانا لقوله {اَلْقَهَّارُ} أو {اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ}.
و قوله: {اَلْعَزِيزُ اَلْغَفَّارُ} يفيد حجة أخرى على توحده تعالى في الألوهية و ذلك أنه تعالى عزيز لا يغلبه شيء بإكراهه على ما لم يرد أو بمنعه عما أراد فهو العزيز على الإطلاق و غيره من شيء ذليل عنده قانت له و العبادة إظهار للمذلة و لا يستقيم إلا قبال العزة و لا عزة لغيره تعالى إلا به.
و أيضا غاية العبادة و هي تمثيل العبودية التقرب إلى المعبود و رفع وصمة البعد عن العبد العابد و هو مغفرة الذنب و الله سبحانه هو المستقل بالرحمة التي لا تنفد خزائنها و هو الذي يورد عباده العابدين له في الآخرة دار كرامته فهو الغفار الذي يجب أن يعبد طمعا في مغفرته.
و يمكن أن يكون قوله: {اَلْعَزِيزُ اَلْغَفَّارُ} تلويحا إلى وجه الدعوة إلى التوحيد أو وجوب الإيمان به المفهوم بحسب المقام من قوله: {وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} و المعنى أدعوكم إلى توحيده فآمنوا به لأنه العزيز الذي لا يشوبه ذلة الغفار للذنوب و هكذا يجب أن يكون الإله.
قوله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} مرجع الضمير ما ذكره من حديث الوحدانية في قوله: {وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اَللَّهُ} إلخ.
و قيل: الضمير للقرآن فهو النبأ العظيم الذي أعرضوا عنه، و هو أوفق لسياق الآيات السابقة المرتبطة بأمر القرآن، و أوفق أيضا لقوله الآتي: {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ اَلْأَعْلىَ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي حتى أخبرني به القرآن، و قيل: المراد به يوم القيامة و هو أبعد الوجوه.

